تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 5128

مساهمون:

ص٥١٢٨

تفسير المجموعة الثانية من المقطع الأول

بما مرّ أقام اللّه عزّ وجل الحجّة على وجوب شكره . وبعد أن أقام الحجة على ذلك تأتي الآن فقرتان تحدثاننا عما قابلوا به هذا من الكفر
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً
قال النسفي : أي قالوا : الملائكة بنات اللّه فجعلوهم جزءا له وبعضا منه كما يكون الولد جزءا لوالده . أقول : وهذه الآية تردّ كل مذهب يقول بجزئية المخلوقات للخالق . كأن يقول قائل : إن هذا الكون هو جزء اللذات الإلهية ، أو إن الذات الإلهية تكثفت فكان هذا الكون ؛ لأن هذا كله يفيد الجزئية ، وهي كفر بنص هذه الآية . وهو موضوع سنتعرض له في الفوائد .
إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ
قال النسفي : أي لجحود للنعمة ظاهر جحوده لأن نسبة الولد إليه كفر ، والكفر أصل الكفران كله .
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ
قال النسفي : أي بل اتخذ ، والهمزة للإنكار تجهيلا لهم وتعجيبا من شأنهم ، حيث ادعوا أنه اختار لنفسه المنزلة الأدنى ولهم الأعلى . قال ابن كثير : ( وهذا إنكار عليهم غاية الإنكار ) ثم ذكر تمام الإنكار فقال جلّت عظمته
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا
أي شبها قال النسفي : لأنه إذا جعل الملائكة جزءا له وبعضا منه فقد جعله منه جنسه ومماثلا له ؛ لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد
ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ
يعني أنهم نسبوا إليه هذا الجنس ، ومن حالهم أنّ أحدهم إذا قيل له : قد ولدت لك بنت اغتم واربدّ وجهه غيظا وتأسفا وهو مملوء من الكرب . قال ابن كثير : أي إذا بشر أحد هؤلاء بما جعلوه للّه من البنات يأنف من ذلك غاية الأنفة ، وتعلوه كآبة من سوء ما بشّر به ، ويتوارى من القوم من خجله من ذلك . يقول تبارك وتعالى . فكيف تأنفون أنتم من ذلك وتنسبونه إلى اللّه عزّ وجل ؟ ثم قال سبحانه
أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ
أي : يتربّى في الزينة والنّعمة
وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ
أي : ليس عنده قوة إقامة الحجة كالرجل . فتحصّل من السياق أنهم قد جمعوا في كفرهم أنواعا من الكفر ، وذلك أنّهم نسبوا إلى اللّه الولد ، ونسبوا إليه ما يعتبرونه أقلّ النوعين الذكر والأنثى ، فأقاموه في أنفسهم المقام الأدنى ، وارتضوا له ما لا يرتضون لأنفسهم ، وجعلوهم من الملائكة المكرمين ، فاستخفوا بهم إذ جعلوهم إناثا ، قال تعالى :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
والملائكة مخلوقات نورانية لا يوصفون بذكورة وأنوثة وخنوثة ، ثمّ هم عباد للّه ، وكيف تجتمع العبودية للّه ، مع الولاد ؟ قال تعالى منكرا عليهم ورادا
أَ شَهِدُوا
الأساس في التفسير — صفحة 5128 | سعيد حوى