تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 4218

مساهمون:

ص٤٢١٨
ومن ثمّ يكشف المسلمين عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالحسنى ؛ لبيان حكمة مجىء الرسالة الجديدة ، والكشف عما بينها وبين الرسالات قبلها من صلة ، والإقناع بضرورة الأخذ بالصورة الأخيرة من صور دعوة اللّه ، الموافقة لما قبلها من الدعوات ، المكملة لها وفق حكمة اللّه وعلمه بحاجة البشر . .
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ
فانحرفوا عن التوحيد الذي هو قاعدة العقيدة الباقية ؛ وأشركوا باللّه وأخلوا بمنهجه في الحياة . فهؤلاء لا جدال معهم ولا محاسنة . وهؤلاء هم الذين حاربهم الإسلام عندما قامت له دولة في المدينة . وإن بعضهم ليفتري على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - أنه حاسن أهل الكتاب وهو في مكة مطارد من المشركين . فلما أن صارت له قوة في المدينة حاربهم ، مخالفا كل ما قاله فيهم وهو في مكة ! وهو افتراء ظاهر يشهد هذا النص المكي عليه . فمجادلة أهل الكتاب بالحسنى مقصورة على من لم يظلم منهم ، ولم ينحرف عن دين اللّه . وعن التوحيد الخالص الذي جاءت به جميع الرسالات . ) . وقال الألوسي في الآية نفسها : (
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ
من اليهود والنصارى ، وقيل : من نصارى نجران
إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
أي بالخصلة التي هي أحسن كمقابلة الخشونة باللين ، والغضب بالكظم ، والمشاغبة بالنصح ، والسورة بالأناة كما قال سبحانه :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . *
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ
بالإفراط في الاعتداء والعناد ، ولم يقبلوا النصح ، ولم ينفع فيهم الرفق فاستعملوا معهم الغلظة ، وأخرج ابن جرير عن مجاهد أن الذين ظلموا هم الذين أثبتوا الولد والشريك ، أو قالوا يد اللّه تعالى مغلولة ، أو اللّه سبحانه فقير ، أو آذوا رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم ، وهذه الغلظة التي تفهم الآية الإذن بها لا تصل إلى القتال لأولئك الظالمين من أهل الكتاب على أي وجه من الوجوه المذكورة كان ظلمهم ؛ لأن ظاهر كون السورة مكية أن هذه الآية مكية ، والقتال في المشهور لم يشرع بمكة ، وليست الغلظة محصورة فيه كما لا يخفى ، وقيل المعنى : ولا تجادلوا الداخلين في الذمة المؤدّين للجزية إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا فنبذوا الذمة ومنعوا الجزية فإن أولئك مجادلتهم بالسيف . وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن مجاهد ما يقرب منه ، وتعقب بأن السورة مكية والحرب والجزية مما شرع بالمدينة ، وكون الآية بيانا لحكم آت بعد بعيد ، وأيضا
الأساس في التفسير — صفحة 4218 | سعيد حوى