تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 4719

مساهمون:

ص٤٧١٩
لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ .
قد صدّقت الرؤيا وحققتها فعلا . فاللّه لا يريد إلا الإسلام والاستسلام بحيث لا يبقى في النفس ما تكنّه عن اللّه أو تعزّه عن أمره ، أو تحتفظ به دونه ، ولو كان هو الابن فلذة الكبد . ولو كانت النفس والحياة . وأنت - يا إبراهيم - قد فعلت . جدت بكل شئ . وبأعز شئ . وجدت به في رضى وفي هدوء وفي طمأنينة وفي يقين . فلم يبق إلا اللحم والدم . وهذا ينوب عنه ذبح . أي ذبح من دم ولحم ! ويفدي اللّه هذه النفس التي أسلمت وأدّت . يفديها بذبح عظيم . قيل : إنه كبش وجده إبراهيم مهيأ بفعل ربه وإرادته ليذبحه بدلا من إسماعيل ! وقيل له :
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ .
. نجزيهم باختيارهم لمثل هذا البلاء . ونجزيهم بتوجيه قلوبهم ورفعها إلى مستوى الوفاء . ونجزيهم بإقدارهم وإصبارهم على الأداء . ونجزيهم كذلك باستحقاق الجزاء ! ومضت بذلك سنة النحر في الأضحى ، ذكرى لهذا الحادث العظيم الذي يرتفع منارة لحقيقة الإيمان . وجمال الطاعة . وعظمة التسليم . والذي ترجع إليه الأمة المسلمة لتعرف فيه حقيقة أبيها إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، الذي تتبع ملّته ، والذي ترث نسبه وعقيدته . ولتدرك طبيعة العقيدة التي تقوم بها أو تقوم عليها ، ولتعرف أنها الاستسلام لقدر اللّه في طاعة راضية واثقة ملبية لا تسأل ربها لما ذا ؟ ولا تتلجلج في تحقيق إرادته عند أول إشارة منه وأول توجيه . ولا تستبقي لنفسها في نفسها شيئا ، ولا تختار فيما تقدمه لربها هيئة ولا طريقة لتقديمه إلا كما يطلب هو إليها أن تقدم ! ثم لتعرف أن ربها لا يريد أن يعذبها بالابتلاء ؛ ولا أن يؤذيها بالبلاء ، إنما يريد أن تأتيه طائعة ملبية وافية مؤدّية . مستسلمة لا تقدم بين يديه ، ولا تتألى عليه ، فإذا عرف منها الصدق في هذا أعفاها من التضحيات والآلام . واحتسبها لها وفاء وأداء . وقبل منها وفدّاها . وأكرمها كما أكرم أباها . .
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ . *
فهو مذكور على توالي الأجيال والقرون . وهو أمة . وهو أبو الأنبياء . وهو أبو هذه الأمة المسلمة . وهي وارثة ملته . وقد كتب اللّه لها وعليها قيادة البشرية على ملة إبراهيم . فجعلها اللّه عقبا ونسبا إلى يوم الدين .
سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ .