تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 4578

مساهمون:

ص٤٥٧٨
ثم جاء المقطع الثاني مبدوءا بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ . .
فإن يأتي بعد ذلك حديث عن اللّه عزّ وجل
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ . .
ثم حديث عنه جل جلاله
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ . . .
ثم حديث عن مظهر من مظاهر قدرته وحكمته ، وإنعامه في خلق الأنهار والبحار ، كل ذلك واضح الصلة ببعضه . فالسياق يعرّفنا على اللّه وعما تستلزمه هذه المعرفة . 2 - ورأينا أن محور السورة هو قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ
الآتية في حيز قوله تعالى :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
فإن يأتي كلام في السورة يحدثنا عن مظاهر إنعام اللّه ، وعما يدل على الرجوع إليه ، وعن خلقه الإنسان من طور إلى طور ، وعن تسخيره البحر لهذا الإنسان ، وأن يحدثنا عن الشكر في هذا السياق . كل ذلك واضح الصلة بعضه ببعض ، إنه لا يغيب عن المتأمل صلة الآيات التي مرت معنا بسياق السورة ولا بمحورها ، ولكن ما صلة الآية الأخيرة بالسياق الجزئي للمقطع ؟ لا شك أن الآية الأخيرة تؤدي دورها في تعريفنا على اللّه وعلى نعمه وعلى ما تقتضيه هذه المعرفة من الشكر ، ولكن ما صلة ذلك في المقطع المبدوء بالنهي عن الاغترار في الدنيا وعن تغرير الشيطان ؟ قال النسفي في الآية : ( ضرب البحرين العذب والملح مثلين للمؤمن والكافر ) . وإذن فالنسفي يفهم أن مجىء هذه الآية له صلة بالكلام السابق عن قضية الإيمان والكفر ، ونحن إذا تأملنا المقطع الذي وردت فيه هذه الآية نجد فيه قوله تعالى :
الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
ونجد
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً . . .
ولا يبعد أن يكون المثل مرتبطا بموضوع الكفر والإيمان ، وبموضوع العزة كذلك ، فالمؤمن الذي يطلب العزة باللّه ، ومن اللّه ، وفي السير في طريق اللّه ، هو العذب الفرات ، والكافر الذي يطلب بنفسه ، ولنفسه ، وفي السير في طريق الكفر ، هو الملح الأجاج ، وفي هذا منفعة للخلق ، وفي هذا منفعة للخلق ، ولكن الفارق بين الشخصيتين يبقى قائما ؛ هذا عذب فرات ، وهذا ملح أجاج . ولنستمر في التفسير فإن السياق لا زال يحدثنا عن اللّه عزّ وجل وعن مظاهر قدرته وعن تسخيره الأشياء للإنسان .