ومخاوفه ومطامعه من الناس وغير الناس . ومتى استعلى على هذه فلن يملك أحد وسيلة لإذلاله وإخضاعه . فإنما تذل الناس شهواتهم ورغباتهم ، ومخاوفهم ومطامعهم .
ومن استعلى عليها فقد استعلى على كل وضع وعلى كل شئ وعلى كل إنسان . . . وهذه هي العزة الحقيقية ذات القوة والاستعلاء والسلطان !
إن العزة ليست عنادا جامحا يستكبر على الحق ويتشامخ بالباطل . وليست طغيانا فاجرا يضرب في عتو وتجبر وإصرار . وليست اندفاعا باغيا يخضع للنزوة ويذل للشهوة . وليست قوة عمياء تبطش بلا حق ولا عدل ولا صلاح . . كلا ! إنما العزة استعلاء على شهوة النفس ، واستعلاء على القيد والذل ، واستعلاء على الخضوع الخانع لغير اللّه . ثم هي خضوع للّه وخشوع ؛ وخشية للّه وتقوى ، ومراقبة للّه في السراء والضراء . . ومن هذا الخضوع للّه ترتفع الجباه . ومن هذه الخشية للّه تصمد لكل ما يأباه . ومن هذه المراقبة للّه لا تعنى إلا برضاه .
هذا مكان الكلم الطيب والعمل الصالح من الحديث عن العزة ، وهذه هي الصلة بين هذا المعنى وذاك في السياق . ثم تكمل بالصفحة المقابلة :
وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ .
ويمكرون هنا مضمنة معنى يدبرون . ولكنه عبّر بها لغلبة استعمالها في السوء .
فهؤلاء لهم عذاب شديد . فوق أن مكرهم وتدبيرهم يبور . فلا يحيا ولا يثمر .
من البوار ومن البوران سواء . وذلك تنسيقا مع إحياء الأرض وإثمارها في الآية السابقة .
والذين يمكرون السيئات يمكرونها طلبا للعزة الكاذبة ، والغلبة الموهومة . وقد يبدو في الظاهر أنهم أعلياء ، وأنهم أعزاء ، وأنهم أقوياء . ولكن القول الطيب هو الذي يصعد إلى اللّه ، والعمل الصالح هو الذي يرفعه إليه . وبهما تكون العزة في معناها الواسع الشامل . فأما المكر السيئ قولا وعملا فليس سبيلا إلى العزة ولو حقق القوة الطاغية الباغية في بعض الأحيان . إلا أن نهايته إلى البوار وإلى العذاب الشديد . وعد اللّه .
لا يخلف اللّه وعده . وإن أمهل الماكرين بالسوء حتى يحين الأجل المحتوم في تدبير اللّه المرسوم ) .