تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 4564

مساهمون:

ص٤٥٦٤
ويهب اللّه الصحة والقوة - مع رحمته - فإذا هي نعمة وحياة طيبة ، والتذاذ بالحياة . ويمسك نعمته فإذا الصحة والقوة بلاء يسلّطه اللّه على الصحيح القوي ، فينفق الصحة والقوة فيما يحطم الجسم ويفسد الروح ، ويدّخر السوء ليوم الحساب ! ويعطي اللّه السلطان والجاه - مع رحمته - فإذا هي أداة إصلاح ، ومصدر أمن ، ووسيلة لادخار الطيب الصالح من العمل والأثر . ويمسك اللّه رحمته فإذا الجاه والسلطان مصدر قلق على قوتهما ، ومصدر طغيان وبغي بهما ، ومثار حقد وموجدة على صاحبهما لا يقر له معهما قرار ولا يستمتع بجاه ولا سلطان ، ويدخر بهما للآخرة رصيدا ضخما من النار ! والعلم الغزير . والعمر الطويل . والمقام الطيب . كلها تتغيّر وتتبدّل من حال إلى حال . . مع الإمساك ومع الإرسال . . وقليل من المعرفة يثمر وينفع ، وقليل من العمر يبارك اللّه فيه . وزهيد من المتاع يجعل اللّه فيه السعادة . والجماعات كالآحاد . والأمم كالأفراد . في كل أمر وفي كل وضع ، وفي كل حال . . ولا يصعب القياس على هذه الأمثال ! ومن رحمة اللّه أن تحسّ برحمة اللّه ! فرحمة اللّه تضمك وتغمرك وتفيض عليك . ولكن شعورك بوجودها هو الرحمة . ورجاؤك فيها وتطلعك إليها هو الرحمة . وثقتك بها وتوقعها في كل أمر هو الرحمة . والعذاب هو العذاب في احتجابك عنها أو يأسك منها أو شكك فيها .
إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ .
ورحمة اللّه لا تعز على طالب في أي مكان ولا في أي حال . وجدها إبراهيم - عليه السلام - في النار . ووجدها يوسف - عليه السلام - في الجب كما وجدها في السجن . ووجدها يونس - عليه السلام - في بطن الحوت في ظلمات ثلاث . ووجدها موسى - عليه السلام - في اليم وهو طفل مجرد من كل قوة ومن كل حراسة ، كما وجدها في قصر فرعون وهو عدو له متربص به ويبحث عنه . ووجدها أصحاب الكهف في الكهف حين افتقدوها في القصور والدور . فقال بعضهم لبعض :
فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ
ووجدها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم ، وصاحبه في الغار والقوم يتعقبونهما ويقصون الآثار . . ووجدها كل من آوى إليها يأسا من كل ما سواها . منقطعا عن كل شبهة في قوة ، وعن كل مظنة في رحمة ، قاصدا باب اللّه
الأساس في التفسير — صفحة 4564 | سعيد حوى