تفسير المجموعة الخامسة من المقطع الثالث
قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ
أي آمركم بواحدة ، أي بخصلة واحدة ، وقد فسّرها اللّه عزّ وجل بقوله :
أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى
أي إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وتخلّصتم ، وهي أن تقوموا لوجه اللّه خالصا ، لا لحمية ولا عصبية ، بل لطلب الحق اثنين اثنين ، وفردا فردا
ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا
في أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وما جاء به ، والمراد بالقيام في الآية : القصد إلى الشئ ، دون النهوض والانتصاب ، والحكمة في تفرّقهم مثنى وفرادى أنّ الاجتماع مما يشوّش الخواطر ، ويعمي البصائر ، ويمنع من الرؤية ، ويقل الإنصاف فيه ، ويكثر الاعتساف ، ويثور عجاج التعصّب ، ولا يسمع فيه إلا نصرة المذهب ، أما الاثنان فيتفكران ، ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه ، وينظران فيه نظر الصدق والإنصاف ، حتى يؤديهما النظر الصحيح إلى الحق ، وكذلك الفرد يتفكّر في نفسه بعدل ونصفة ، ويعرض فكره على عقله ، وهذه الآية أصل في موضوع الدعوة إلى اللّه ؛ إذ تبين أهمية الدّعوة الفردية
ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ
أي ليس بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم جنون ، والمعنى :
ثم تتفكروا فتعلموا أنه ليس بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم من جنون
إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ
وهو عذاب الآخرة .
نقل : [ عن صاحب الظلال ]
قال صاحب الظلال عند قوله تعالى :
قُلْ : إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا . ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ . إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ :
( إنها دعوة إلى القيام للّه . بعيدا عن الهوى . بعيدا عن المصلحة . بعيدا عن ملابسات الأرض . بعيدا عن الهواتف والدوافع التي تشتجر في القلب ، فتبعد به عن اللّه . بعيدا عن التأثر بالتيارات السائدة في البيئة . والمؤثرات الشائعة في الجماعة .
دعوة إلى التعامل مع الواقع البسيط ، لا مع القضايا والدعاوى الرائجة ؛ ولا مع العبارات المطاطة ، التي تبعد القلب والعقل عن مواجهة الحقيقة في بساطتها .
دعوة إلى منطق الفطرة الهادئ الصافي ، بعيدا عن الضجيج والخلط واللبس ؛ والرؤية المضطربة والغبش الذي يحجب صفاء الحقيقة .