تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 4304

مساهمون:

ص٤٣٠٤
لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ
( الروم : 56 ) الآية . فهذا عين إيقانهم بالآخرة ، وهم المحسنون الموصوفون بما ذكر ، وأيضا ففي كلتا السورتين جملة من الآيات وابتداء الخلق . وذكر في السابقة
فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ
وقد فسر بالسماع وذكر هنا
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ
وقد فسر بالغناء وآلات الملاهي . اه . وسيأتي - إن شاء اللّه تعالى - الكلام في ذلك ، وأقول في الاتصال أيضا : إنه قد ذكر فيما تقدم قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
( الروم : 27 ) وهنا قوله سبحانه :
ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ
وكلاهما يفيد سهولة البعث وقرر ذلك هنا عز قائلا :
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
وذكر سبحانه هناك قوله تعالى :
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ
( الروم : 33 ) ، وقال عزّ وجل هنا :
وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
فذكر سبحانه في كل من الآيتين قسما لم يذكره في الأخرى إلى غير ذلك . وما ألطف هذا الاتصال من حيث إن السورة الأولى ذكر فيها مغلوبية الروم ، وغلبتهم المبنيتين على المحاربة ، بين ملكين عظيمين من ملوك الدنيا تحاربا عليها وخرجا بذلك عن مقتضى الحكمة ، فإن الحكيم لا يحارب على دنيا دنية لا تعدل عند اللّه تعالى جناح بعوضة ، وهذه ذكر فيها قصة عبد مملوك - على كثير من الأقوال - حكيم زاهد في الدنيا ، غير مكترث بها ، ولا ملتفت إليها ، أوصى ابنه بما يأبى المحاربة ، ويقتضي الصبر والمسالمة ، وبين الأمرين من التقابل ما لا يخفى . ) .

وقال صاحب الظلال في تقديمه لسورة لقمان :

( جاء هذا القرآن الكريم ليخاطب الفطرة البشرية بمنطقها . نزله الذي خلق هذه الفطرة ، والذي يعلم ما يصلح لها وما يصلحها ، ويعلم كيف يخاطبها ، ويعرف مداخلها ومساربها . جاء يعرض على هذه الفطرة الحقيقة المكنونة فيها من قبل ؛ والتي تعرفها قبل أن تخاطب بهذا القرآن ، لأنها قائمة عليها أصلا في تكوينها الأول . . تلك هي حقيقة الاعتراف بوجود الخالق وتوحيده ، والتوجه إليه وحده بالإنابة والعبادة مع موكب الوجود كله المتجه إلى خالقه بالحمد والتسبيح . . إنما تغشى على الفطرة غواش من دخان هذه الأرض ؛ وتغمرها غمرات من فورة اللحم والدم ؛ وتنحرف بها