تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 4245

مساهمون:

ص٤٢٤٥

قال الألوسي رحمه اللّه في تقديمه لسورة الروم :

( مكية ، كما روي عن ابن عباس ، وابن الزبير رضي اللّه تعالى عنهم ، بل قال ابن عطية ، وغيره : لا خلاف في مكيتها ، ولم يستثنوا منها شيئا ، وقال الحسن : هي مكية إلا قوله تعالى :
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ
الآية ، وهو خلاف مذهب الجمهور ، والتفسير المرضي كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى بيانه . وآيها ستون ، وعند بعض تسع وخمسون . ووجه اتصالها بالسورة السابقة على ما قاله الجلال السيوطي أنها ختمت بقوله تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
وافتتحت هذه بوعد من غلب من أهل الكتاب بالغلبة والنصر ، وفرح المؤمنين بذلك ، وأن الدولة لأهل الجهاد فيه ، ولا يضرهم ما وقع لهم من قبل ذلك من هزيمة ، هذا مع تواخيها لما قبلها في الافتتاح ب
( ألم )
ولا يخفى أن قتال أهل الكتاب ليس من المجاهدة في اللّه عزّ وجل ، وبذلك تضعف المناسبة ، ومن وقف على أخبار سبب النزول ظهر له أن ما افتتحت به هذه السورة متضمنا نصرة المؤمنين بدفع شماتة أعدائهم المشركين ، وهم لم يزالوا مجاهدين في اللّه تعالى ولأجله ولوجهه عزّ وجل ، ولا يضر عدم جهادهم بالسيف عند النزول ، وهذا في المناسبة أوجه فيما أرى من الوجه الذي ذكره الجلال . فتأمل ) . وقال صاحب الظلال في تقديمه للسورة : ( نزلت الآيات الأولى من هذه السورة بمناسبة معيّنة . ذلك حين غلبت فارس على الروم فيما كانت تضع يدها من جزيرة العرب . وكان ذلك في إبان احتدام الجدل حول العقيدة بين المسلمين السابقين إلى الإسلام في مكة قبل الهجرة والمشركين . . ولما كان الروم في ذلك الوقت أهل كتاب ، دينهم النصرانية ، وكان الفرس غير موحّدين ، ديانتهم المجوسية ، فقد وجد المشركون من أهل مكة في الحادث فرصة لاستعلاء عقيدة الشرك على عقيدة التوحيد ، وفألا بانتصار ملة الكفر على ملة الإيمان . ومن ثمّ نزلت الآيات الأولى من هذه السورة تبشّر بغلبة أهل الكتاب من الروم في بضع سنين غلبة يفرح لها المؤمنون ، الذين يودّون انتصار ملّة الإيمان من كل دين . ولكن القرآن لم يقف بالمسلمين وخصومهم عند هذا الوعد ، ولا في حدود ذلك الحادث . إنما كانت هذه مناسبة لينطلق بهم إلى آفاق أبعد وآماد أوسع من ذلك الحادث الموقوت ، وليصلهم بالكون كله ، وليربط بين سنة اللّه في نصر العقيدة السماوية والحق