تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 2930

مساهمون:

ص٢٩٣٠
مع أنهم يعطون أعداء اللّه من الانقياد - أحيانا - ما لا يعطونه لرسل اللّه عليهم الصلاة والسلام ، وكل ذلك مظهر من مظاهر الكبر ، واتباع لخطوات الشيطان ، إلا من عصم ربي وحفظ ممن يحررون مواقفهم فيمنعهم من الاتباع أو الانقياد ، أو العمل المشترك مانع شرعي محرر ، ولنعد إلى تفسير المجموعة : فبعد أن بيّن اللّه عزّ وجل موقف المستكبرين مما أنزل ، وعقوبتهم الدنيوية والأخروية على هذا الموقف يخبرنا اللّه عزّ وجل عن موقف أوليائه ممّا أنزل وما يكافئهم به في الدنيا والآخرة :
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا
الشرك واتباع خطوات الشيطان
ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ
أيّ شئ أنزل ربكم
قالُوا خَيْراً
أي قالوا : أنزل خيرا أي رحمة وبركة لمن اتبعه وآمن به ، هذا هو موقفهم مما أنزل اللّه : ثناء عليه ؛ فاستحقوا خيري الدنيا والآخرة ، ومن ثم أخبر اللّه عما يعدهم به فقال :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ
أي من أحسن عمله في الدنيا ، أحسن اللّه إليه في الدنيا والآخرة
وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ
أخبر بأن دار الآخرة خير أي : من الحياة الدنيا والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا ، وإحسان العبد إنما يكون بالإيمان والعمل الصالح ، وقد عرّف اللّه المحسنين في أكثر من مكان في كتابه ، وفي الفوائد كلام . والحسنة التي يعطيها اللّه مكافأة في الدنيا قد تكون أمنا وطمأنينة ، وقد تكون نصرا وفوزا ، وقد تكون كل ذلك مع غيره ، ومن ثم نكّرها فقال ( حسنة ) ثم وصف الدار الآخرة فقال :
وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ
جَنَّاتُ عَدْنٍ
فجنات عدن هي دار المتقين ، والعدن : الإقامة
يَدْخُلُونَها
فلنحرص على التحقق بالتقوى لندخلها
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
أي بين أشجارها وقصورها
لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ
قال ابن كثير : وفي الحديث : « إن السحابة لتمر بالملإ من أهل الجنة وهم جلوس على شرابهم ، فلا يشتهي أحد منهم شيئا إلا أمطرته عليهم ، حتى إن منهم لمن يقول : أمطرينا كواعب أترابا فيكون ذلك » .
كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ
أي مثل هذا الجزاء يجزي اللّه كل من آمن به واتقاه وأحسن عمله ، ثم أخبر تعالى عن حال المتقين عند الاحتضار أنهم طيبون ، أي مخلّصون من الشرك والدنس وكل سوء ، وأن الملائكة تسلم عليهم وتبشرهم بالجنة فقال :
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ
أي طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر
يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
أي بعملكم ، فالملائكة تسلّم عليهم وتبشرهم بالجنة ، وقد مر معنا من قبل أن نسمة المؤمن تدخل الجنة بعد الموت ، والدخول الكامل بالجسم والروح إنما يكون بعد البعث .