تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 2916

مساهمون:

ص٢٩١٦
الميتة
مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
وهم الأنبياء
أَنْ أَنْذِرُوا
أي لينذروا
أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
هذه هي محور دعوة الأنبياء والرسل ، وهذا محور الوحي كله التوحيد ، فكل وحي أنزله اللّه إنما هو من أجل تقرير التوحيد وتأكيده وتفهيمه وتعليمه ، فدعوة الرسل من بدايتها إلى نهايتها ، وكل ما شرع اللّه لعباده إنما هو من أجل تقرير هذه الحقيقة وتوكيدها ، والقرآن الكريم الذي هو أعظم كتاب منزل إنما هو من أوله لآخره شرح لهذه الحقيقة ، وتعليم لها ، وتذكير بها ، وحماية لها
فَاتَّقُونِ
أي فاتقوا عقوبتي لمن خالف أمري وعبد غيري ، وإذ كان الوحي كله من أجل التوحيد ، فقد بدأت الآيات تعرّفنا على اللّه ، وتؤكّد وحدانيته ، وتدلّنا عليه وعلى أنّه واحد
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
لا للعبث ، ومن كان هذا فعله الذي هو آثار صفاته يتعالى عن أن يشرك به غيره لذلك قال :
تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
هو المستقل بخلق السماوات والأرض . وحده ، فلهذا يستحق أن يعبد وحده فكيف يشركون به غيره ، وهو خالقهم ، وخالق كل ما يحتاجون إليه ، مما ستأتي تفصيلاته ، ألا إنها الخصومة للّه رب العالمين ، ومن ثم نجد السياق يقرّر :
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ
أي مهينة ضعيفة ، فلما استقل ودرج
فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
أي إذا هو يخاصم ربه تعالى ، ويكذّبه ، ويحارب رسله ، وهو إنما خلق ليكون عبدا لا ضدا ، وهو وصف للإنسان بالوقاحة والتمادي في كفران النعمة ، ومن رأى آلاف الكتب التي تطرح يوميا في عصرنا ، وكلها خصومة للّه ، وإنكار لوجوده ، أدرك الوصف ، والآية كما هي إنكار على الإنسان ، فإن فيها تدليلا على اللّه ، فإن هذا الإنسان الذي أصله هذه النطفة في حقارتها وصغرها ، هو هذا المنطيق المجادل المخاصم ليس لبني البشر فحسب بل للّه رب العالمين . ولقد قال صاحب الظلال عند هذه الآية
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
: ( ويا لها من نقلة ضخمة بين المبدأ والمصير ، بين النطفة الساذجة والإنسان المخاصم ، الذي يخاصم خالقه فيكفر به ، ويجادل في وجوده ، أو في وحدانيته . وليس بين مبدئه من نطفة وصيرورته إلى الجدل والخصومة فارق ولا مهلة ، فهكذا يصوره التعبير ، ويختصر المسافة بين المبدأ والمصير ، لتبدو المفارقة كاملة ، والنقلة بعيدة ، ويقف الإنسان بين مشهدين وعهدين متواجهين : مشهد النطفة المهينة الساذجة ، ومشهد الإنسان الخصيم المبين وهو إيجاز مقصود في التصوير ) .