تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 3122

مساهمون:

ص٣١٢٢
عند رأسه . أرأيت نمط الذين يرفضون الاهتداء بهذا القرآن ما هو ؟ هل تشم منه رائحة منطق أو عقل أو رغبة في حق ، ومن ثم أمر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول :
قُلْ سُبْحانَ رَبِّي
تعجبا من اقتراحاتهم
هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا
أي أنا رسول كسائر الرسل ، بشر مثلهم ، والرسل لا يأتون قومهم إلا بما يظهره اللّه على أيديهم من المعجزات ، فليس أمر الآيات إليّ ، إنما هو إلى اللّه ، فما بالكم تطلبونها مني وتقترحونها عليّ . وقال ابن كثير في تفسير ما أمر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقوله ( أي سبحانه وتعالى وتقدس أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكوته ، بل هو الفعّال لما يشاء ، إن شاء أجابكم إلى ما سألتم ، وإن شاء لم يجبكم ، وما أنا إلا رسول إليكم ، أبلغكم رسالات ربي ، وأنصح لكم ، وقد فعلت ذلك ، وأمركم فيما سألتم إلى اللّه ) . وهكذا نرى أن الموانع من الدخول في الإسلام ليست لقصور الحجة ولا لسبب عقلي وإنما هي التعنّت ، ومن ثم قال تعالى :
وَما مَنَعَ النَّاسَ
أي أكثرهم
أَنْ يُؤْمِنُوا
أي يصدقوا ويتابعوا الرسل
إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى
هدى اللّه
إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
أي وما منعهم من الإيمان بوحي اللّه ، ونبوة أنبيائه ، إلا شبهة أو عقدة تمكنت في صدورهم ، وهي إنكارهم أن يرسل اللّه البشر ، مع أن هذا لا ينبغي أن يكون مثار اشتباه أو اعتراض ، ومن ثم نبّه اللّه عزّ وجل على أنه من لطفه ورحمته بعباده أنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم ؛ ليفقهوا عنه ، ويفهموا منه ، ويقتدوا به ، ويتمكنوا من مخاطبته ومكالمته ، ولو بعث إلى البشر رسولا من الملائكة لما استطاعوا مواجهته ضمن قوانين هذا العالم التي جعلها اللّه هكذا لحكمة ، ولا الأخذ عنه ، ولكانت لهم حجة أن هذا ليس مثلنا ، وليس تركيبه كتركيبنا حتى يعالج مشكلاتنا ، أو نستطيع فعل ما يفعل . قال تعالى :
قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ
أي على أقدامهم كما يمشي الإنس ، ولا يطيرون بأجنحتهم إلى السماء ؛ فيسمعوا من أهلها ، ويعلموا ما يجب علمه
مُطْمَئِنِّينَ
أي ساكنين في الأرض قارّين كما أنتم فيها
لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا
أي من جنسهم ، أي يعلّمهم الخير ويهديهم إلى الرشد ، ولمّا كنتم أنتم بشرا بعثنا فيكم رسلنا منكم لطفا ورحمة . دلّت الآية على أن سكان الأرض يحتاجون إلى الرسالة ، ويحتاجون إلى رسول من جنسهم ؛ به تقوم الحجة عليهم ، وبه يرتقون . تلك سنته وفيها غاية الحكمة . ثم هذا هو الواقع الذي ابتلى اللّه به عباده ، فليس لأحد إلا التسليم بعد العلم وقد وجد العلم
قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
على أني رسوله ، وعلى أنّي بلّغت ما أرسلت به إليكم ، وأنكم كذبتم