والتيسيرات المادية ، والقيم المادية ، يمكن أن تصبح من أسباب شقوة البشرية - لا في الآخرة المؤجلة ولكن في هذه الحياة الواقعة - كما نشهد اليوم في حضارة المادة الكالحة .
إنه لا بد من قيم أخرى تحكم الإنسانية ، وهذه القيم الأخرى هي التي يمكن أن تعطي للأرزاق المادية والتيسيرات المادية قيمتها في حياة الناس ؛ وهي التي يمكن أن تجعل منها مادة سعادة وراحة لبني الإنسان .
إن المنهج الذي يحكم حياة مجموعة من البشر هو الذي يحدد قيمة الأرزاق المادية في حياتهم . هو الذي يجعلها عنصر سعادة أو عنصر شقاء . كما يجعلها سببا للرقي الإنساني أو مزلقا للارتكاس .
ومن هنا كان التركيز على قيمة هذا الدين في حياة أهله . والذين يركزون على القيم المادية ، وعلى الإنتاج المادي ، ويغفلون تلك القيمة الكبرى الأساسية ، هم أعداء البشرية الذين لا يريدون لها أن ترتفع على مستوى الحيوان وعلى مطالب الحيوان .
وهم لا يطلقونها دعوة بريئة ، ولكنهم يهدفون من ورائها إلى القضاء على القيم الإيمانية ، وعلى العقيدة التي تعلق قلوب الناس بما هو أرفع من مطالب الحيوان - دون أن تغفل ضروراتهم الأساسية - وتجعل لهم مطالب أساسية أخرى إلى جوار الطعام والمسكن والجنس التي يعيش في حدودها الحيوان .
وهذا الصياح المستمر بتضخيم القيم المادية ، والإنتاج المادي ، بحيث يطغى الانشغال به على حياة الناس وتفكيرهم وتصوراتهم كلها . وبحيث يتحول الناس إلى آلات تلهث وراء هذه القيمة ، وتعدها قيمة الحياة الكبرى ؛ وتنسى في عاصفة الصياح المستمر . .
الإنتاج . . الإنتاج . . كل القيم الروحية والأخلاقية وتدوس هذه القيم كلها في سبيل الإنتاج المادي . . هذا الصياح ليس بريئا ؛ إنما هو خطة مدبرة لإقامة أصنام تعبد بدل أصنام الجاهلية الأولى ، وتكون لها السيادة العليا على القيم جميعا .
وعندما يصبح الإنتاج المادي صنما يكدح الناس حوله ويطوفون به في قداسة الأصنام ؛ فإن كل القيم والاعتبارات الأخرى تداس في سبيله وتنتهك الأخلاق .
الأسرة . الأعراض . الحريات . الضمانات . . كلها . . كلها إذا تعارضت مع توفير الإنتاج يجب أن تداس . فما ذا تكون الأرباب والأصنام إن لم تكن هي هذه ؟ إنه ليس من الحتم أن يكون الصنم حجرا أو خشبا . فقد يكون قيمة واعتبارا ولافتة ولقبا .
الأساس في التفسير — صفحة 2485
مساهمون: سعيد حوى
ص٢٤٨٥