تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 2579

مساهمون:

ص٢٥٧٩
معنى : أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد ، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع ، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغيض ، وأن نقضي أمر نوح - وهو إنجاز ما كنا وعدناه من إغراق قومه - فقضي ، وأن نسوي السفينة على الجودي فاستوت ، وأبقينا الظلمة غرقى ، بنى الكلام على تشبيه المراد بالأمر الذي لا يتأتي منه - لكمال هيبته - العصيان ، وتشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكون المقصود تصويرا لاقتداره العظيم ، وأن السماوات والأرض منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة لإرادته ، فيها تغييرا وتبديلا كأنها عقلاء مميزون قد عرفوه حق معرفته ، وأحاطوا علما بوجوب الانقياد لأمره والإذعان لحكمه ، وتحتم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده . ثم بنى على تشبيه هذا نظم الكلام فقال عزّ وجل :
وَقِيلَ
على سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل ، وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد وهو ( يا أرض ، ويا سماء ) ثم قال مخاطبا لهما ( يا أرض ) و ( يا سماء ) على سبيل الاستعارة للشبه المذكور ، ثم استعار لغور الماء في الأرض ، البلع الذي هو أعمال الجاذبة في المطعوم للشبه بينهما وهو الذهاب إلى مقر خفي ، ثم استعار الماء للغذاء تشبيها له بالغذاء لتقوي الأرض بالماء في الإنبات كتقوي الآكل بالطعام ، ثم قال ( ماءك ) بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز لاتصال الماء بالأرض كاتصال الملك بالمالك . ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفعل ، للشبه بينهما في عدم التأني . ثم قال
وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً
ولم يصرح بمن أغاض الماء ، ولا بمن قضى الأمر وسوى السفينة بعدا . كما لم يصرح بقائل ( يا أرض ويا سماء ) سلوكا في كل واحد من ذلك لسبيل الكناية وأن تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر ، وتكوين مكون قاهر ، وأن فاعلها واحد لا يشارك في فعله ، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره
يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
ولا أن يكون الغائض والقاضي والمسوي غيره . ثم ختم الكلام بالتعريض تنبيها لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل ظلما لأنفسهم ، إظهارا لمكان السخط وأن ذلك العذاب الشديد ما كان إلا بظلمهم . ومن جهة علم المعاني : وهو النظر في فائدة كل كلمة فيها ، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها . وذلك أنه اختير ( يا ) دون أخواتها لكونها أكثر استعمالا ، ولدلالتها على بعد المنادى الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة والملكوت ، وإبداء العزة والجبروت ، وهو تبعيد المنادى المؤذن بالتهاون به ، ولم يقل يا أرضي لزيادة التهاون إذ الإضافة تستدعي القرب . ولم يقل يا أيتها الأرض للاختصار ، واختير لفظ الأرض والسماء