تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 2509

مساهمون:

ص٢٥٠٩
عيسى ابن مريم عليه السلام في تلك المدة ، فاستعانت اليهود - قبحهم الله - على معاداة عيسى عليه السلام بملوك الرومان ، وكانت تحت أحكامهم ، ووشوا عندهم ، وأوحوا إليهم أن هذا يفسد عليكم الرعايا ، فبعثوا من يقبض عليه ، فرفعه الله إليه ، وشبه لهم بعض الحواريين - بمشيئة الله وقدره - فأخذوه فصلبوه واعتقدوا أنه هو
وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
( النساء : 157 ، 158 ) ثم بعد المسيح عليه السلام بنحو ثلاثمائة سنة دخل قسطنطين - أحد ملوك الرومان - في دين النصرانية وكان فيلسوفا قبل ذلك ، فدخل في دين النصارى ، قيل : تقية ، وقيل : حيلة ؛ ليفسده ، فوضعت له الأساقفة منهم قوانين وشريعة ، وبدعا أحدثوها ، فبنى لهم الكنائس والبيع الكبار والصغار ، والصوامع والهياكل والمعابد والقلايات ، وانتشر دين النصرانية في ذلك الزمان ، واشتهر على ما فيه من تبديل وتغيير وتحريف ووضع وكذب ومخالفة لدين المسيح ، ولم يبق على دين المسيح - على الحقيقة - منهم إلا القليل من الرهبان ، فاتخذوا لهم الصوامع في البراري والمهامة والقفار ، واستحوذت يد النصارى على مملكة الشام والجزيرة وبلاد الروم وبنى هذا الملك المذكور مدينة قسطنطينية ، والقمامة ، وبيت لحم ، وكنائس ببلاد بيت المقدس ، ومدن حوران ، كبصرى وغيرها من البلدان بناءات هائلة محكمة ، وعبدوا الصليب من حينئذ ، وصلوا إلى الشرق ، وصوروا الكنائس ، وأحلوا لحم الخنزير ، وغير ذلك مما أحدثوه من الفروع في دينهم والأصول ، ووضعوا له الأمانة الحقيرة ، التي يسمونها الكبيرة ، وصنفوا له القوانين ، وبسط هذا يطول ، والغرض أن يدهم لم تزل على هذه البلاد إلى أن انتزعها منهم الصحابة رضي الله عنهم ، وكان فتح بيت المقدس على يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ولله الحمد والمنة ) . أقول : ذكر هذا ابن كثير بمناسبة قوله تعالى
وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ
فكأنه يريد أن يبين ما آل إليه أمرهم بعد أن أنعم الله عليهم ، وبعض كلامه يحتاج إلى تحقيق ، فقد وجدت الانحرافات في النصرانية قبل قسطنطين . فمن المعروف أن بولس الذي عاصر حواريي المسيح عليهم السلام هو الذي حرف وانحرف ، وإنما كان دور قسطنطين أنه فرض هذا الانحراف ، وأكده وقواه ، وأضعف جانب أصحاب الحق الذين كانوا إلى زمنه هم الأكثرية بالنسبة لمجموع النصارى .
الأساس في التفسير — صفحة 2509 | سعيد حوى