( وتلك هي التعبئة الروحية إلى جوار التعبئة النظامية . وهما معا ضروريتان للأفراد والجماعات ، وبخاصة قبيل المعارك والمشقات . ولقد يستهين قوم بهذه التعبئة الروحية ، ولكن التجارب ما تزال إلى هذه اللحظة تنبئ بأن العقيدة هي السلاح الأول في المعركة ، وأن الأداة الحربية في يد الجندي الخائر العقيدة لا تساوي شيئا كثيرا في ساعة الشدة .
وهذه التجربة التي يعرضها الله على العصبة المؤمنة ليكون لها فيها أسوة ليست خاصة لبني إسرائيل ، فهي إيمانية خالصة . وقد يجد المؤمنون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي ، وقد عمت الفتنة وتجبر الطاغوت ، وفسد الناس ، وأنتنت البيئة - وكذلك كان الحال على عهد فرعون في هذه الفترة - وهنا يرشدهم الله إلى أمور :
* اعتزال الجاهلية بنتنها وفسادها وشرها - ما أمكن في ذلك - وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها ، لتطهرها وتزكيها ، وتدربها وتنظمها ، حتى يأتي وعد الله لها .
* اعتزال معابد الجاهلية ، واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي ؛ وتزاول عبادتها بها على نهج صحيح ، وتزاول بالعبادة ذاتها نوعا من التنظيم في جو العبادة الطهور . . )
أقول : لقد فهم بعض قراء الشهيد سيد - رحمه الله - من هذه الفقرة ما لم يرده منها ، فاعتزلوا الجمع والجماعات ، واعتزلوا مساجد المسلمين بحجة أنها أصبحت معابد جاهلية ، ويجب اعتزالها ، وهذا فهم خاطئ ، فالمساجد للإسلام وأهله ، والأصل في المسلم صحة العقيدة حتى يتبين العكس ، والأصل أن نحسن الظن في المسلم حتى يتبين العكس ، والأصل أن نحسن الظن في رواد المساجد حتى يتبين العكس ، وإذا ما ثبت لنا أن إمام مسجد أو خطيبه كافر فساعتئذ نتحاماه إلى غيره ، وإذا ما ثبت لنا أنه مبتدع فالأولى أن نتجنبه
* * *
ثم أخبر تعالى عما دعا به موسى عليه السلام على فرعون وملئه لما أبوا قبول الحق واستمروا على ضلالهم وكفرهم ؛ معاندين جاحدين ظلما وعلوا وتكبرا وعتوا
وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً
من أثاث الدنيا ومتاعها
وَأَمْوالًا
أي