تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 1250

مساهمون:

ص١٢٥٠
اتخذوه إلها من دون الله ، يعبدونه كما يعبدون الله . بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه فادعوا فيهم العصمة كما يعتقدون ذلك في البابا . فاتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقا أو باطلا أو ضلالا أو رشادا ، فنهاهم عن الغلو في دينهم ، ثم نهاهم أن يفتروا على الله ، وأن يجعلوا له صاحبة أو ولدا ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وتنزه وتقدس ، وتوحد في سؤدده وكبريائه ، وعظمته ، فلا إله إلا هو ، ولا رب سواه . وإذ كان من أعظم ما وقع من غلو ما ادعاه النصارى أن المسيح هو الله أو ابن الله - تعالى الله عن ذلك - فقد قرر الله في شأن المسيح أنه عبد من عباده ، وخلق من خلقه ، قال له : كن فكان ، ورسول من رسله ، وكلمة ألقاها إلى مريم ، أي : خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل عليه السلام إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن الله فكان عيسى بإذنه - عزّ وجل - وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها ، ونزلت حتى ركبت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم ، والجميع مخلوق لله تعالى ، ولهذا قيل لعيسى إنه كلمة الله وروح منه ، لأنه لم يكن له أب تولد منه ، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان ، والروح التي أرسل بها جبريل . وبعد أن قرر حقيقة عيسى نهاهم أن يجعلوا عيسى وأمه - أو ما يسمونه الروح القدس - مع الله شريكين ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وهذا نهي عن التثليث ، وهو نهي لكل فرق النصارى عن ضلالهم في هذا الشأن ، لأن فرق النصارى بعد ما فني أهل التوحيد الخالص منهم كلها تثبت الأقانيم الثلاثة في المسيح ، ويختلفون في كيفية ذلك ، وفي اللاهوت والناسوت في زعمهم هل اتحدا أو ما اتحدا ، أو امتزجا ، أو حل فيه ، على ثلاث مقالات كلها كفر ، ولهذا أمرهم الله - عزّ وجل - أن ينتهوا عما هم فيه ، لأن انتهاءهم عما هم فيه ، فيه الخير لهم ، ثم قرر الله وحدانيته ، ونزه ذاته أن يكون له ولد وقرر أن كل ما في السماوات والأرض ملكه وخلقه ، وجميع ما فيهما عبيده ، وهم تحت تدبيره وتصريفه ، وهو وكيل على كل شئ ، فكيف يكون له منهم صاحبة وولد ، وهو الحافظ والمدبر للجميع . ومن كان هذا شأنه ، لم يحتج إلى ولد يعينه . ثم بين أنه لا المسيح ، ولا الملائكة المقربون يستكبرون عن العبودية لله ، بل هي فخرهم وشرفهم ، وفيها أنسهم وشرفهم ، وكيف لا يكونون كذلك وهم من أعرف خلق الله بجلال الله ، وما ينبغي لهذا الجلال . ثم بين الله - عزّ وجل - أن من يستكبر عن عبادة الله ، وتوحيده ، فإن الله سيجمعهم إليه يوم القيامة ويفصل بينهم بحكمه العدل الذي لا يجور ، ولا يحيف ، وإنما يكون حكمه ضمن قاعدة هي : أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيعطيهم من الثواب على قدر أعمالهم الصالحة ، ويزيدهم على ذلك من فضله وإحسانه ، وسعة رحمته وامتنانه . وأما الممتنعون