تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 1247

مساهمون:

ص١٢٤٧
يأخذه بالعقاب في الدنيا أو في الآخرة حتى تبلغه الرسل ، فيعرض ويكفر ، ويموت وهو كافر لا يتوب ولا ينيب . . ومن عجب أن يأتي على هذا الإنسان زمان يزعم لنفسه أنه استغنى عن ربه . . استغنى عن رعايته وفضله ورحمته وبره . . استغنى عن هدايته ودينه ورسله . . استغنى بالأداة التي علم ربه أنها لا تغنيه - ما لم تقوم بمنهج الله - فلم يكتب عليه عقابا إلا بعد الرسالة والبيان . . فيتمثل لنا الطفل الذي يحس ببعض القوة في ساقيه فيروح يبعد عنه اليد التي تسنده ، ليتكفأ ويتعثر ! غير أن الطفل في هذا المثال أرشد وأطوع للفطرة . إذ إنه بمحاولة الاستقلال عن اليد التي تسنده يجيب داعي الفطرة في استحثاث طاقات كامنة في كيانه ؛ وإنماء قدرات ممكنة النماء ؛ وتدريب عضلات وأعصاب تنمو وتقوى بالتدريب . . أما إنسان اليوم الذي يبعد عنه يد الله ويتنكب هداه ، فإن كينونته - بكل ما يكمن فيها من قوى - يعلم الله أنها لا تشتمل على قوة مكنونة تملك الاستغناء عن يد الله وهداه . وقصارى ما في قواه أنها ترشد وتضبط وتستقيم برسالة الله . وتضل وتختل وتضطرب إذا هي استقلت بنفسها ، وتنكبت هداه ! وخطأ وضلال - إن لم يكن هو الخداع والتضليل - كل زعم يقول : إن العقول الكبيرة كانت حرية أن تبلغ بدون الرسالة ما بلغته بالرسالة . . فالعقل ينضبط - مع الرسالة - بمنهج النظر الصحيح ؛ فإذا أخطأ بعد ذلك في التطبيق كان خطؤه كخطإ الساعة التي تضبط ، ثم تغلبها عوامل الجو والمؤثرات ، وطبيعة معدنها الذي يتأثر بهذه المؤثرات ، لا كخطإ الساعة التي لم تضبط أصلا ، وتركت للفوضى والمصادفة : وشتان شتان ! . وآية ما يتم بالرسالة - عن طريق العقل نفسه - لا يمكن أن يتم بغيرها ؛ فلا يغني العقل البشري عنها . . إن تاريخ البشرية لم يسجل أن عقلا واحدا من العقول الكبيرة النادرة اهتدى إلى مثل ما اهتدت إليه العقول العادية المتوسطة بالرسالة . . لا في تصور اعتقادي ، ولا في خلق نفسي ، ولا في نظام حياة ؛ ولا في تشريع واحد لهذا النظام . إن عقلي أفلاطون وأرسطو من العقول الكبيرة قطعا . . بل إنهم ليقولون : إن عقل أرسطو هو أكبر عقل عرفته البشرية - بعيدا عن رسالة الله وهداه - فإذا نحن راجعنا تصوره لإلهه - كما وصفه - رأينا المسافة الهائلة التي تفصله عن تصور المسلم العادي لإلهه مهتديا بهدى الرسالة . وقد وصل أخناتون - في مصر القديمة - إلى عقيدة التوحيد - وحتى مع استبعاد