ولنعد إلى السياق لنرى أن الله قد استثنى من أهل الوعيد : المستضعفين حقيقة لا دعوى فقال :
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً
في الخروج والهجرة إما لفقرهم وإما لعجزهم
وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا .
أي : ولا معرفة لهم بالمسالك .
فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ
هذا وعد من الله لهم أن يعفو عنهم ، فعسى وإن كانت في الأصل للإطماع إلا أن ما أطمعت فيه من الله واجب الوقوع لأن الكريم إذا أطمع أنجز
وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً
أكدت نهاية هذه الآية عفوه ، وأثبتت أن عدم الهجرة ذنب
وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً
المراغم : هو المهاجر ، والطريق الذي يراغم بسلوكه الإنسان قومه ، أي يفارقهم على رغم أنوفهم . والرغم : الذل والهوان ، يقال : راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك ، والسعة يدخل فيها السعة في الرزق ، أو في إظهار الدين ، أو في الصدر لتبدل الخوف بالأمن .
وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ .
أي : إلى حيث أمر الله ورسوله
ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ .
أي : قبل بلوغه مهاجره
فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ .
أي : فقد حصل له الأجر بوعد الله ، وذكر الوقوع تأكيد للوعد ، وإلا فلا شئ يجب على الله لأحد من خلقه ، وإنما هو جل جلاله يوجب على نفسه ما شاء
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
يغفر بالعمل ، ويرحم بالنية ، وقد قالوا : كل هجرة لطلب علم ، أو حج ، أو جهاد ، أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة ، أو قناعة ، أو زهدا وابتغاء رزق طيب فهي هجرة إلى الله ورسوله ، وإن أدركه الموت في طريقه فقد وقع أجره على الله .
فوائد :
1 - في سبب نزول قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ . . .
الآية يروي البخاري عن ابن عباس : أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقتله ، أو يضرب عنقه فيقتل فأنزل الله
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ . . .
ويكمل ابن أبي حاتم رواية هذا المعنى ، أن المسلمين لما أصيب هؤلاء قالوا : كان أصحابنا هؤلاء مسلمين ، وأكرهوا فاستغفروا لهم ، فنزلت
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ . . .
الآية فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية التي مضمونها أنه لا عذر لهم . قال فخرجوا فلحقهم المشركون ، فأعطوهم التقية . فنزلت هذه الآية :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ . . . .