تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 904

مساهمون:

ص٩٠٤
يَقُولُونَ
أي : أهل النفاق والريب في تلك الحال .
هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ
أي : هل لنا معاشر المسلمين من أمر الله نصيب قط ، يعنون النصر والغلبة ، والسلطان والسيطرة والعز ، والجاه ، والمنافع . فقال تعالى :
قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ
أي : قل إن الغلبة ، والنصر ، والسلطان ، كله لله ؛ يعطيه من شاء ، ويمنعه من شاء . وقد وعد أولياءه أن تكون لهم العاقبة .
يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ
خوفا ورهبة كما قال تعالى في المنافقين .
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ
( الحشر : 13 ) ثم بين هذا الذي يخفونه في أنفسهم ، ويبدونه لبعضهم .
يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا
أي لو كان الأمر كما قال محمد صلى الله عليه وسلم .
إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ
وأن أولياءه هم الغالبون ، لما غلبنا قط ، ولما قتل منا من قتل في هذه المعركة . روى ابن إسحاق عن الزبير رضي الله عنه قال : لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا ، أرسل الله علينا النوم ، فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره ، قال : فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم يقول : لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا هاهنا . فحفظتها منه ، وفي ذلك أنزل الله :
يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا
لقول معتب ، ورواه ابن أبي حاتم .
قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ
أي : هذا قدر قدره الله - عزّ وجل - وحكم حتم لا محيد عنه ، ولا مناص منه . فمن علم الله منه أنه يقتل في هذه المعركة ، كما كتب ذلك في اللوح المحفوظ لم يكن بد من قتله . فلو قعدتم في بيوتكم لبرز من بيوتهم الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ، أي إلى أمكنة مصارعهم بأحد ليكون ما علم الله أنه يكون . والمعنى : أن الله كتب في اللوح المحفوظ قتل من يقتل من المؤمنين ، وكتب مع ذلك أنهم الغالبون ، لعلمه أن العاقبة في الغلبة لهم ، وأن دين الإسلام يظهر على الدين كله ، وأن ما ينكبون به في بعض الأوقات تمحيص لهم . وبعد أن ذكر الله - عزّ وجل - نموذجا من كلام المنافقين ، وبين دخيلة أنفسهم ، بين بعد هذا أن من جملة الحكم فيما حدث يوم أحد للمسلمين اختبار ما في الصدور ، وتمحيص ما في القلوب ، وهو أعلم فقال :
وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ ، وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ
أي فعل ذلك ليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص ، ويمحص ما في قلوبهم من وساوس الشيطان ، وذكر الواو في ابتداء بيان الحكمتين يشعر بأن مع هاتين الحكمتين حكما أخرى . فالمعنى إذن فعل ذلك لمصالح جمة ، وللابتلاء والتمحيص الذي هو التمييز . نفهم من ذلك أنه يستخرج ما