تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 903

مساهمون:

ص٩٠٣
عزّ وجل - حكمته البالغة فيما حدث وهو : تمرين المسلمين وتدريبهم على تحمل المصائب ، وعدم الجزع لها ، وعدم المبالاة بالفائت ، فقال :
لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ .
جرعكم الغموم لئلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع . وقال ابن كثير : أي : على ما فاتكم من الغنيمة والظفر بعدوكم
وَلا ما أَصابَكُمْ
أي ولا على مصيبة من المضار من مثل ما حدث لكم هنا من الجراح والقتل .
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
أي : عالم بعملكم لا يخفى عليه شئ من أعمالكم . وهذا ترغيب في الطاعة ، وترهيب عن المعصية . وإذ تخلف عن المسلمين نصر الله بسبب ما وقعوا فيه ، فإن رحمة الله بالمؤمنين ، وتوليه لهم ، موجودة ، فهم عباده ، ولئن منعهم أو سلط عليهم ، فلتأديبهم . ومن مظاهر توليه ورحمته ما ذكره الله - عزّ وجل - بعد ما مر .
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً .
أي : ثم أنزل الله الأمن على المؤمنين ، وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم حتى نعسوا وغلبهم النوم . والمعنى أنزل عليكم نعاسا ذا أمنة . ويبدو من السياق أن هذا قد كان بعد المعركة وقبل النفير الذي أعلنه الرسول صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني كما سنرى . ولكن بعض الروايات التي سننقلها في قسم الفوائد ، تذكر أن النعاس أصاب المسلمين ليلة المعركة ، ويمكن أن يكون النعاس قد أصابهم مرتين ، مرة ليلة المعركة ليواجهوا المعركة مستريحين ، ومرة بعد المعركة لينسوا آثارها . والذي يدل على أن المراد بالنعاس هنا ما أصابهم بعد المعركة مجىء كلمة ( ثم ) التي تفيد الترتيب دون التعقيب ، وقول المنافقين الآتي :
لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا
فكلامهم هذا إنما كان بعد ما حدث للمسلمين من قتل في المعركة
يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ
أي : هذا النعاس يغشى قسما من المسلمين : وهم أهل الإيمان ، واليقين ، والثبات ، والتوكل الصادق ، وهم الجازمون بأن الله - عزّ وجل - سينصر رسوله ، وينجز له مأموله .
وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ
هم المنافقون لا يهمهم إلا هم أنفسهم وخلاصها ، لا هم الدين ، ولا هم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا هم الجماعة المسلمة ، فهؤلاء لا يغشاهم النعاس من القلق ، والجزع ، والخوف .
يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ
أي : يظنون بالله غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به ، فهم يظنون ألا ينصر رسوله وجنده . ظنوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة ، وأن الإسلام قد باد وأهله ، وهذا شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة ، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة .
ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ
أي : الظن المختص بالملة الجاهلية ، أو ظن أهل الجاهلية ، أي : لا يظن مثل ذلك الظن ، إلا أهل الشرك الجاهلون بالله تعالى :
الأساس في التفسير — صفحة 903 | سعيد حوى