تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأساس في التفسير — صفحة 809

مساهمون:

ص٨٠٩
والحكمة والنبوة ، أن يقول للناس اعبدوني من دون الله ، أو اعبدوني مع الله . فإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل ، فهو حتما لا يصلح لغيرهم بطريق الأولى . وإنما يدعو الرسل الناس من أجل أن يكونوا علماء حكماء ، حلماء ، أتقياء ، وذلك مقتضى تعلم الكتاب ، وتعليمه . وفي الآية الثانية ، يبين الله - عزّ وجل - أنه : كما لا ينبغي للأنبياء والرسل أن يدعوا الناس لعبادتهم ، كذلك ما ينبغي لهم أن يأمروا أحدا بعبادة غير الله ، لا ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، لأنه لو فعل النبي هذا لكان داعيا للكفر ، والأنبياء دعاة إلى الإيمان . ومن هاتين الآيتين ، نفهم ارتباط هذه الآيات بالسياق ، إذ بداية هذا السياق ، كما قلنا :
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً . . .
وفي الآية الثالثة ، يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي من آدم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام ، أنه مهما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة ، وبلغ أي مبلغ ، ثم جاء رسول لله من بعده ليؤمنن به ، ولينصرنه ، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ، ونصرته . فإذا ربطنا هذا بالسياق العام ، وتذكرنا الآيتين اللتين جاءتا من قبل وهما
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ
ثم تذكرنا ما ورد في القسم الثاني في شأن المسيح عليه السلام . ندرك صلة هذا القسم بالقسم الأول وبالقسم الثاني . - وفي الآية الرابعة ، يبين الله - عزّ وجل - أنه من تولى من الرسل - وحاشاهم - عن هذا العهد والميثاق - فإنه هو الفاسق . فإذا كان المرسلون هذا شأنهم إن تولوا فما بال غيرهم ممن لا يتبعون الرسول الخاتم . - وفي الآية الخامسة ، يبين الله - عزّ وجل - أنه ما كان للرسل إلا أن يكونوا كذلك ، لأن مقتضى الإسلام الاستسلام . فإذا كانت السماوات والأرض مستسلمة ، فما كان لأحد ألا يكون مسلما . والرسل سادة المسلمين ، وهم أعرف الناس بالله ، وأخوفهم منه ، لأنهم عارفون أنهم إليه راجعون .