أقول : في الآية إشارة إلى أن القصاص يحقق تقوى الأفراد ، ويحقق تقوى الأمة .
فوائد :
1 - قال القرطبي : ( روى البخاري والنسائي والدارقطني عن ابن عباس قال : « كان في بني إسرائيل القصاص ، ولم تكن فيهم الدية . فقال الله لهذه الأمة :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى . الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى . فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ .
فالعفو أن يقبل الدية في العمد .
فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ .
يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان .
ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ .
مما كتب على من كان قبلكم .
فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ
: قتل بعد قبول الدية » .
هذا لفظ البخاري . . وقال الشعبي في قوله تعالى :
الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى .
قال : « أنزلت في قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا . فقالوا : نقتل بعبدنا فلان ابن فلان ، وبأمتنا فلانة بنت فلان » ونحوه عن قتادة . . أقول : وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ ، فعلى هذا فالآيات تحرم قتل غير القاتل وتوجب القصاص إلا إذا كان صلح فالدية هي البديل .
2 - دلت هذه الآيات على أن مرتكب الكبيرة - حتى ولو كانت القتل العمد - مؤمن ، للوصف بالإيمان بعد وجود القتل ، ولبقاء الأخوة الثابتة بالإيمان ، ولاستحقاق التخفيف والرحمة . وفي القتل ثلاثة حقوق : حق الله الذي انتهك بالاعتداء على خلقه ، وحق القتيل الذي اعتدي على حياته ، وحق أهل القتيل الذين فجعوا بقتيلهم . والدية أو القتل إنما هما في مقابل حق أهل القتيل ، ويبقى حق الله ، وحق القتيل . فمن تاب توبة نصوحا فإن الله مرجو أن يعفو عنه ، وأن يرضي عنه قاتله ، ويدخله الجنة .
3 - في قوله تعالى :
فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ
إن أرجعنا
ذلِكَ
إلى العفو وقبول الدية ، كان المعنى ما ذكرنا . ولكن إذا أرجعناه إلى ما قبل ذلك كله ، أصبح معنى العدوان أوسع . فدخل في ذلك من قتل غير القاتل . إذن الحكم قتل القاتل ، أو العفو عنه ، فمن تجاوز هذا وهذا فقد اعتدى .
4 - في تعريف القصاص ، وتنكير الحياة ، بلاغة بينة . وأعظم من عبر عن بلاغة هذا المقام ، مصطفى صادق الرافعي في كتابه الرائع : ( تحت راية القرآن ) إذ بين أن في هذا المقام من البلاغة ما يفوق أبلغ كلمة قالتها العرب في هذا الباب . وهي قولهم : « القتل