تخطي إلى المحتوى الرئيسي

امثال القرآن — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
قد يكون ذلك باعتبار أنَّه أشار إلى عاقبة عَبَدَة الدنيا والذين غرقوا في مُتعها من خلال الآيات الاثني عشر الماضية ، ولأجل اتّضاح أصل الحياة الدنيا طرح اللَّه هذا المثل تعقيباً للمثل المتقدِّم . « كَمَاءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ » . يسقط هذا الماء على أرجاء الأرض كلها سواء كانت خصبة أو سبخة ، لكن الأراضي لم تستفد من هذا الماء بنحوٍ واحد ، فقد يكون هذا الماء سبباً للحياة في جزءٍ وقد يكون سبباً للعذاب الإلهي في جزءٍ آخر . « فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ » . عندما يسقط هذا الماء على الأراضي الخصبة يضفي عليها حياة وطراوة ونشاطاً وافراً ، فتنبت من جراء ذلك نباتات مختلفة ومتنوّعة ، كلٌّ منها تكشف عن قدرة الخالق ، وتتشكل بذلك مناظر طبيعية خلابة ومحيّرة للعقول في فصلي الربيع والصيف ، وتحرّض كل صاحب بصيرة لتمجيد الخالق وتحسينه . « فَأصبَحَ هَشيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ » . لكن عمر الطراوة والنشاط ، الذي منحه الماء للنباتات وجمَّل الأرض ، قصير ؛ لأنّه بعد أيام حيث يحلُّ فصل الخريف والشتاء ويتبدَّل الخضار إلى صفار والنشاط إلى خمول وموت ، وعندما تهبُّ الرياح حاملة معها رسالة الموت الظاهري للطبيعة تتساقط أوراق الأشجار التي كانت تجمّل الطبيعة وتجعلها خضراء خلابة ، وبعد ما ترقص في الهواء للحظات تقع على الأرض لتُدفن في باطنها . « وَكَانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شىءٍ مُقتدِرَاً » . بالطبع ، هذه التحولات والتغييرات التي تطرأ على الانسان وجميع الموجودات في العالم تحتاج إلى قدرة اللَّه من حيث الوجود والبقاء ، فهي فقيرة إلى قدرته تعالى ، أمَّا ذات الحق فقادرة ومستطيعة دائماً ، ولا يؤثّر فيها مرور الزمان وتحوّلات الفصول والمناخات وغير ذلك ، بل اللَّه بقدرته أوجد هذه التحوّلات ، وكل شيء يتغيّر إلَّا ذاته الطاهرة . نعم ، اللَّه قادر على كل شيء .
امثال القرآن — صفحة 312 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي