تخطي إلى المحتوى الرئيسي

امثال القرآن — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
الله المهتدين ويعاقب الضالين رغم انهم مجبورون على ذلك ؟ هناك آراء مختلفة في تفسير هذه الآية وأمثالها ، فبعض قال : ان المراد من ( يضل ) هو ( يمتحن ) أي ان الله يريد امتحان الناس من خلال هذه الأمثال . « 1 » ويقول البعض الاخر : ان الهداية والضلالة تعنيان إعداد المقدمات لهما لا نفسهما والقرار النهائي فيهما يرجع إلى إرادة الإنسان نفسه . وكأن الله يسلب الموفقية من الإنسان اللجوج ، فيراد من الضلالة - على هذا - سلب الموفقية . « 2 » ان سبب الاختلاف بين المفسرين يرجع إلى صعوبة معنى المفردتين وتعقدهما ، ولهذا علينا ايضاحهما اولًا ثم البتّ في حل مشكلة الاختلاف في تفسيرهما .

معنى الهداية والضلالة

انتبهوا إلى هذا المثال : ان قطرات الغيث الشفافة والسليمة والمانحة للحياة تنزل على الكرة الأرضية اجمع ، كما أن الشمس تسطع على هذه الكرة وتمنحها نوراً وطاقة . انّ الغيث والشمس كلاهما من رحمة الله الا ان المحاصيل الزراعية التي تنتجها الأراضي التي تتمتع بهذين النعمتين تختلف ، ففي الأراضي المالحة تنبت الادغال ، بينما في الأراضي الأخرى تنبت الأزهار والنباتات المطلوبة . هل سبب هذا الاختلاف الغيث والشمس أم سببه ملوحة الأرض ؟ لا شك في أن منشأ الاشكال هو الأرض فلو نثرت بذور الأزهار مكان بذور الادغال في هذه الأرض لتبدلت الأرض إلى حديقة أزهار . وعلى هذا فلو قيل : ان المطر جاء لنا بالادغال فان ذلك لا يعني ان المطر هو السبب في ذلك بل الأرض كانت سقيمة . ان قضية الهداية والضلالة تجري هذا المجرى ، فان وابل الرحمة الإلهية نزل بواسطة الرسول صلى الله عليه وآله على قلوب جميع البشر ، وقد اصغى الجميع لوحي القرآن ، فالذين قد أعدوا أراضي قلوبهم من ذي قبل ، اهتدوا ، اما أولئك الذين لم يغسلوا ملوحة قلوبهم بزلال الايمان ولم يعدوا أنفسهم فضلُّوا .
هامش
( 1 ) انظر مجمع البيان 1 : 68 . ( 2 ) انظر تفسير الأمثل 1 : 123 - 124 .
امثال القرآن — صفحة 23 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي