تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
جل ثناؤه بأنبيائه حيث بعثهم ان يفتح لهم كنوز الذهبان ومعادن العقيان ومغارس الجنان . وان يحشر معهم طير السماء ووحش الأرض لفعل . ولو فعل لسقط البلاء وبطل الجزاء واضمحلت الانباء . ولما وجب للقائلين أجور المبتلين . ولا لحق المؤمنين ثواب المحسنين . ولا لزمت الأسماء أهاليها على معنى معين . ولذلك لو أنزل اللّه من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين . ولو فعل لسقط البلوى عن الناس أجمعين . ولكن اللّه جل ثناؤه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم مع قناعة تملأ القلوب والعيون غناؤه . وخصاصة تملا الاسماع والابصار اذاؤه . ولو كانت الأنبياء أهل قوة لا ترام وعزة لا تضام وملك يمد نحوه أعناق الرجال ويشد اليه عقد الرحال . لكان أهون على الخلق في الاختبار وابعد لهم في الاستكبار . ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم . أو رغبة مائلة بهم ، فكانت النيات مشتركة والحسنات مقتسمة . ولكن اللّه عزّ وجل أراد أن يكون الاتباع لرسله والتصديق بكتبه والخشوع لوجهه والاستكانة لأمره والاستسلام لطاعته أمورا له خاصة لا تشوبها من غيرها شائبة . وكلما كانت البلوى والاختبار أعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل . ألا ترون ان اللّه عزّ وجل اختبر الأولين من لدن آدم إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع . فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياما ثم وضعه بأوعر بقاع الأرض حجرا . وأقل نتائق الدنيا مدرا وأضيق بطون الأودية معاشا وأغلظ محال المسلمين مياها . بين جبال خشنة ورمال دمثة وعيون وشلة وقرى منقطعة وأثر من مواضع قطر السماء . واثر ليس يزكو به خف ولا ظلف ولا حافر .