تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦

ب - القرآن والاستقامة في البيان

قد علم كل عاقل جرب الأمور ، وعرف مجاريها ان الذي يبني امره على الكذب والافتراء في تشريعه واخباره ، لا بد من أن يقع منه التناقض والاختلاف ، ولا سيما إذا تعرض لكثير من الأمور المهمة في التشريع والاجتماع والعقائد ، والنظم الأخلاقية المبتنية على أدق القواعد وأحكم الأسس ، ولا سيما إذا طالت على ذلك المفترى أيام ، ومرت عليه أعوام نعم لا بد من أن يقع في التناقض والتهافت من حيث يريد أو لا يريد ، لأن ذلك مقتضى الطبع البشري الناقص إذا خلا من التسديد . وقد قيل في المثل المعروف : ( لا حافظة لكذوب . ) وقد تعرض القرآن الكريم لمختلف الشؤون ، وتوسع فيها أحسن التوسع فبحث في الإلهيات ومباحث النبوات ، ووضع الأصول في تعاليم الاحكام والسياسات المدنية ، والنظم الاجتماعية ، وقواعد الاخلاق . وتعرض لأمور أخرى تتعلق بالفلكيات والتاريخ ، وقوانين السلم والحرب ، ووصف الموجودات السماوية والأرضية من ملك وكواكب ورياح ، وبحار ونبات وحيوان وانسان ، وتعرض لأنواع الأمثال ، ووصف أهوال القيامة ومشاهدها فلم تجد فيه أية مناقضة ولا أدنى اختلاف ، ولم يتباعد عن أصل مسلم عند العقل والعقلاء . وربما يستعرض الحادثة الواحدة مرتين أو أكثر ، فلا تجد فيه أقل تهافت وتدافع . وإليك قصة موسى عليه السّلام : فقد تكررت في القرآن مرارا عديدة ، وفي كل مرة تجد لها مزية تمتاز بها من غير اختلاف في جوهر المعنى . وإذا عرفت ان الآيات نزلت نجوما متفرقة على الحوادث ، علمت أن القرآن بوحي من أمر اللّه ، لأن هذا التفرق يقضي بطبعه عدم الملائكة والتناسب حين يجتمع ، ونحن نرى القرآن معجزا في كلتا الحالتين ، نزل متفرقا فكان معجزا حال تفرقه ، فلما اجتمع حصل له اعجاز آخر .