تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
بأزمانهم وأجيالهم ، كان مقتضى الحكمة أن تكون معاجزهم مقصورة الأمد ، ومحدودة ، لأنها شواهد على نبوات محدودة ، فكان البعض من أهل تلك الأزمنة يشاهد تلك المعجزات فتقوم عليه الحجة ، والبعض الآخر تنتقل اليه أخبارها من المشاهدين على وجه التواتر ، فتقوم عليه الحجة أيضا . أما الشريعة الخالدة ، فيجب أن تكون المعجزة التي تشهد بصدقها خالدة أيضا ، لأن المعجزة إذا كانت محدودة قصيرة الأمد لم يشاهدها البعيد ، وقد تنقطع أخبارها المتواترة ، فلا يمكن لهذا البعيد أن يحصل له العلم بصدق تلك النبوة ، فإذا كلفه اللّه بالايمان بها كان من التكليف بالممتنع ، والتكليف بالممتنع مستحيل على اللّه تعالى ، فلا بد للنبوة الدائمة المستمرة من معجزات دائمة . وهكذا أنزل اللّه القرآن معجزة خالدة ليكون برهانا على صدق الرسالة الخالدة ، وليكون حجة على الخلف كما كان حجة على السلف . ثم إن القرآن يختص بخاصة أخرى ، وبها يتفوق على جميع المعجزات التي جاء بها الأنبياء السابقون ، وهذه الخاصة هي تكلفة بهداية البشر وسوقهم إلى غاية كمالهم . فان القرآن هو المرشد الذي ارشد العرب الجفاة الطغاة ، المعتنقين أقبح العادات والعاكفين على الأصنام ، والمشتغلين عن تحصيل المعارف ، وتهذيب النفوس - بالحروب الداخلية ، والمفاخرات الجاهلية ، فتكونت منهم - في مدة يسيرة - أمة ذات خطر في معارفها ، وذات عظمة في تاريخها ، وذات سمو في عادتها . ومن نظر في تاريخ الاسلام وسبر تراجم أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله المستشهدين بين يديه ظهرت له عظمة القرآن في بليغ هدايته ، وكبير أثره ، فإنه هو الذي أخرجهم من حضيض الجاهلية إلى أعلى مراتب العلم والكمال ، وجعلهم يتفانون في سبيل الدين واحياء الشريعة ، ولا يعبئون بما تركوا من مال وولد وأزواج .