تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 537

مساهمون:

ص٥٣٧
البيان : فألقى موسى ( ع ) عصاه إطاعة لأمر مولاه . ولكن ما ذا جرى . انها لم تعد عصا . بل انقلبت حية تسعى وتتحرك بخفة وسرعة وهي حية كبيرة .
( فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً )
انها المفاجأة التي لم تكن بحسبانه . ولم يفكر في العودة إليها بل تركها وولى مدبرا وإذا النداء
( يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ )
ان الخوف والامن قد يتعاقبان سريعا على نفس الانسان بدون اختيار إذا حصلت أسبابهما فجأة . وكيف لا يأمن من أيقن أن المخاطب له والمتكفل بذلك هو من بيده أزمة الأمور . وإذا قال للشيء كن فيكون مهما كان شكله وطبيعته
( اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ )
ولبى الطاعة موسى ( ع ) وادخل يده في فتحة ثوبه فإذا هي بيضاء لامعة مشعة من غير مرض ولا برص . وحصلت المفاجأة الثانية من غير احتمال انها إشارة إلى اشراق الحق ووضوح الآية ونصاعة الدليل . وأدركت موسى طبيعته البشرية فإذا هو يرتجف من رهبة الموقف وخوارق ما شاهد . ومرة أخرى تدركه العناية الإلهية
( وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ )
وكأنما يده جناح يقبضه على صدره . والتعبير يرسم ما شاهد وما رأى من الآيتين الخارقتين . وقد ارتجف لهما فؤاده . والآن اتضح له ما وراء ذلك والآن استعد لان يتلقى التكليف الذي كان خالقه يعده له من طفوليته . ليتلقاه في هذا الحين
( فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ . . . )
اذن فهي الرسالة الإلهية تلقى على عاتق ابن عمران الذي وجد لأجل حملها والقيام بعبئها .