تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
البيان : ان هذا السؤال من الذين آمنوا عما أحل لهم ، يصور حالة نفسية لتلك الجماعة المختارة التي سعدت بخطاب الله تعالى لها أول مرة ، ويشي بما خالج نفسية تلك الجماعة . من التحرج والتوقي من كل ما كان في الجاهلية ، خشية أن يكون الاسلام قد حرمه ، وبالحاجة إلى السؤال عن كل شيء للتثبت من أن المنهج الجديد يرتضيه ويقره . والناظر في تاريخ هذه الفترة يلمس ذلك التغيير العميق الذي أحدثه الاسلام في نفس المسلم لقد هزها هزا عنيفا ، فنفض عنها كل رواسب الجاهلية ، لقد أشعر المسلمين الذين التقطهم من سفح الجاهلية ، ليرتفع بهم إلى القمة السامقة ، انهم يولدون من جديد ، وينشئون من جديد . كما جعلهم يحسون احساسا عميقا بضخامة النقلة وعظمة الوثبة ، وجزالة النعمة ، وجلالة المرتقى ، فأصبح همهم أن يتكيفوا وفق هذا المنهج الرباني الذي لمسوا بركته عليهم وان يحذروا مخالفته ، وكان التحرج والتوجس من كل ما ألفوه في الجاهلية هو ثمرة هذا الشعور العميق وثمرة تلك الهزة العنيفة ، لذلك راحوا يسألون الرسول ص بعد ما سمعوا آيات التحريم :
( ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ )
ليكونوا على يقين من حله قبل أن يقربوه ، وجاءهم الجواب :
( قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ )
، وهو جواب يستحق التأمل الهائل ، انه يلقى في حسهم هذه الحقيقة انهم لم يحرموا طيبا ابدا ، ولم يمنعوا الا عن الخبيث ، وان كل الطيبات لهم حلال . ولم يحرم عليهم الا الخبائث . والله يذكر المؤمنين بنعمته عليهم في حلية ما امسكته الجوارح