تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
ان الله هو الذي نصرهم فإذا اتقوا وخافوا ، فليتقوا وليخافوا الله وحده الذي بيده الأخذ والعطاء فالآن يعلمهم الله أن مرد الامر كله اليه ، وان الفاعلية كلها منه سبحانه ، وان نزول الملائكة ليس الا بشرى لقلوبهم لتأنس بهذا وتستبشر وتطمئن به ، اما النصر فمنه مباشرة ، ومتعلق بقدره وارادته بلا واسطة ولا سبب ولا وسيلة :
( وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ )
. وهكذا يحرص السياق القرآني على رد الامر كله إلى الله ، كيلا يعلق بتصور المسلم ما يشوب هذه القاعدة الأصيلة : قاعدة رد الأمور جملة إلى مشيئة الله عزّ وجل الطليقة ، وارادته الفاعلة وقدرته المباشرة ، وتنحية الأسباب والوسائل عن أن تكون هي الفاعلة ، وانما هي أداة تحركها المشيئة وتحقق بها ما تريد وجوده أو عدمه ، عطاءه أو حرمانه ، نصره أو خذلانه ، لا غير كن فيكون .
( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )
، وقد حرص القرآن المجيد على تقرير هذه القاعدة في التصور الاسلامي . وعلى تنقيتها من كل شائبة ، وعلى تنحية الأسباب الظاهرة والوسائل والأدوات ، عن أن تكون لها أدنى دخل في الفاعلية التي يريد الله العزيز الحكيم ، لتبقى الصلة المباشرة بين الخالق والمخلوق ، بين القلوب ومالكها ومحركها ، بلا حواجز ولا عوائق ولا وسائل ولا وسائط ، كما هي في عالم الحقيقة .
( إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ ) *
س 2 17 ي وبمثل هذه التوجيهات المكررة في القرآن المجيد ، المؤكدة بشتى أساليب التوكيد ، استقرت هذه الحقيقة في قلوب المسلمين ، على نحو بديع هادئ عميق مستنير ثابت تزول الجبال ولا يزول . لقد عرفوا ان الله عزّ وجل هو الفاعل وحده لما يشاء ، وعرفوا كذلك انهم مأمورون من قبل الله باتخاذ الوسائل والأسباب - التي هو
تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي — صفحة 266 | محمد حسن القبيسي العاملي