تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
ما يظهر به معنى هذه الآية ، فأولياء اللّه تعالى هم الذين يباشر اللّه سبحانه تدبير أمرهم ، فليس لهم من الأمر شيء ، فكلّما لهم من الشأن فهو للّه سبحانه ، والخوف من مكروه ، متوقع مترقّب ، والحزن من مكروه متحقّق إنّما يتصوران إذا توجّه المكروه إلى ما يملكه الإنسان ، فأمّا إذا لم يملك شيئا فلا يخاف ولا يحزن ، إذ لا يرتبط به المكروه ولا يماسّه . قوله تعالى :
الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ
ظاهر السياق أنّه تفسير لأولياء اللّه في الآية السابقة ، وإن احتمل الاستئناف ، وعلى أيّ حال فقوله :
وَكانُوا ،
يدلّ على كون إيمانهم مسبوقا بتقوى مستقّر مستمّر منهم ، فليس هو الإيمان البدوي ، فإن التقوى يجب أن تكون أيضا مسبوقة بإيمان ، والإيمان نفسه مسبوق بالإسلام البدوي الحاصل بالشهادتين ، قال تعالى :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
« 1 » ، وقال تعالى :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً
« 2 » ، وقال تعالى :
وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
« 3 » . والآيتان كما ترى تدلان على أنّ الإيمان من المؤمن لا يخلص حتّى يتحقّق التسليم التامّ للّه ورسوله ، فهذا الإيمان أيضا مسبوق بإسلام بعد الإيمان السابق عليه ، فالإيمان المذكور في هذه الآية مرتبة من الإيمان يسبقه إسلام ، وقبله
هامش
( 1 ) . الحجرات ( 49 ) : 14 . ( 2 ) . النساء ( 4 ) : 65 . ( 3 ) . يوسف ( 12 ) : 106 .