تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
أقول : وهذه استفادة لطيفة من الآية فإنّ هذه - الآية - أعني قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
واقعة في خلال آيات العذاب الّتي توعد هذه الأمّة بإرسال العذاب ، وإنفاذ القضاء الفصل بين النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وبينهم ، وفيها استئصالهم بالانقطاع عن الحياة الدنيويّة ومزايا نعمها ، وهلاك أرواحهم بإضلال اللّه - سبحانه - إيّاهم عن صراط الهداية وسبيل الفلاح ، فلمّا نفى - سبحانه - عن نفسه في هذا المقام أنّه لا يظلم الناس شيئا ، دلّ ذلك على أنّ حرمان الشخص من الإنسان أو أمّة من الأمم الإنسانيّة عن شيء من النعم الظاهرة الجسمانيّة أو الباطنة الروحيّة لا يستند إليه تعالى ، بل إنّما يستند إلى نفسه كما مرّ بيانه في قوله تعالى :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
« 1 » . وتحصّلت من هاهنا قاعدة كلية وهي أنّ اللّه سبحانه لا يفيض عنه إلّا الخير ، وأمّا الشّر كائنا ما كان فهو لقصور المستفيض القابل ، وردّه وعدم قبوله لعوائد الفضل ورشحات الجود . فإن قلت : الأمر لا يتمّ بما ذكرت فما المانع من أن نقول : إنّ اللّه يفيض خيرا وشرا ورضا وغضبا وهداية وإضلالا لكنّه يخصّ كلّا من الخير والشرّ بواحد من الفريقين فيرسل الخير والرضا والهداية بأهل الصلاح ، والشر والسخط والإضلال بأهل الفسوق والفساد . قلت : يأبى عن ذلك ظاهر الآية فإنّها تدلّ على أنّ أمثال هذه البلاياء والنقمات ظلم ، غير أنّها لا تستند إليه تعالى بل إلى أنفسهم ، فهم يعملون أعمالا
هامش
( 1 ) . النساء ( 4 ) : 79 .