فيهم ما قال : واللّه سبحانه حيث ذكر الصحابة في القرآن بخير ، استدرك في كلامه بما يشعر بالقدح في عموم الكلام ، كقوله سبحانه :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً
إلى أن قال :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً ،
« 1 » فتراه سبحانه يصفهم بالجميل ، حتّى إذا وعدهم بالسعادة وحسن الخاتمة ، وعد بعضهم دون جميعهم ، وكقوله في قصّة بدر :
إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ
« 2 » الآية من سورة الأنفال ، وقد مرّ الكلام فيها .
وجمع منهم كانوا بالمدينة يتظاهرون بالإسلام كعبد اللّه بن ابيّ وأترابه دفعا للتهمة وحذرا من السياسة لا يشاركون في الشدائد مع المسلمين إلّا بمقدار ، وربما كان المسلمون يعرفونهم ولا يتعرّضون بهم إرفاقا .
ومن هنا صحّ لنا أن نبحث عن حال الصحابة ونوجّه إلى كلّ واحد منهم القدح أو المدح على حسب ما يقضي به المأثور المضبوط من حاله وسيرته ، ولا نحسن الظنّ بكلّ من تسمّى باسم الصحابي مع ما يضبطه التاريخ والرواية من مختلف أحوالهم ، ولا نصغي بعموم ما رووه لأنفسهم عن النبيّ - صلى اللّه عليه وآله - أنّه قال : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم ، « 3 » الحديث .
على أنّهم أنفسهم لم يعملوا بعموم أمثال هذه الأحاديث ، ولم يضعوا كلّ صحابيّ موضع القبول والرضا بشهادة التاريخ ، فقد امتلأت الكتب وشحنت
هامش
( 1 ) . الفتح ( 48 ) : 29 .
( 2 ) . الأنفال ( 8 ) : 49 .
( 3 ) . إرشاد القلوب 2 : 334 ؛ الصراط المستقيم 1 : 272 ؛ 2 : 21 .