تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
والثانية : الرحمة الخاصّة وهي الرحمة بعد الرحمة ، وإن شئت قلت : تضاعف الرحمة ، كما قال سبحانه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
« 1 » ، وهذه هي التي تساوق السعادة على مراتبها ، وتتدرج في مراتب كمراتبها ، وتقابل في بعض مراتبها العذاب وتقابل في بعضها الآخر انحطاط المنزلة وقصور الدرجة . إذا عرفت هذا تبين لك أنّ قوله سبحانه :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
، ناظر إلى الرحمة العامّة ، وقوله :
فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
إشارة إلى الرحمة الخاصة في الآخرة ، وقد سبق مقابلها في صدر الكلام عند قوله :
قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ
، وإنّما فصّل بينه وبين قوله :
فَسَأَكْتُبُها
، لتتّصل الرحمتان ويتمّ بيان حال الرحمة في كلام متصل واحد كما في قوله تعالى :
لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ
« 2 » ، قدّم أصحاب النار ليتّصل أصحاب الجنة بأصحاب الجنة ويخرج الكلام مخرج الإتّصال ، وهو ظاهر . ومن هنا يظهر وجه تقديم المغفرة على الرحمة في قول موسى - عليه السلام - :
فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا
، وكذا في قوله :
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ
« 3 » ، فإنّ الأنبياء مختوم عليهم بالسعادة مأمونون من العذاب ، فالذي يتعلّق به همّهم ، هو الرحمة الإلهيّة ، وقد ذكر المغفرة مقدّمة عليها من باب المقدّمة ، ونظير هذا الدعاء دعاء آدم وزوجته حيث قالا :
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ
هامش
( 1 ) . الحديد ( 57 ) : 28 . ( 2 ) . الحشر ( 59 ) : 20 . ( 3 ) . الأعراف ( 7 ) : 151 .
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن — صفحة 325 | السيد محمدحسين الطباطبائي / أصغر إرادتي