تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
أقول : والروايات في هذا المعنى كثيرة ، وقد مرّ إشباع القول فيه في تفسير الفاتحة . قوله :
ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
ختم هذه الآية الثالثة بذلك ، وختم الثانية بقوله :
ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
، وختم الأولى بقوله :
ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
، وذلك لأنّ الذي تشتمل عليه الآية الأولى من الأحكام وهي النهي عن الشرك وإحسان الوالدين ، وحرمة قتل الأولاد والفواحش ، وقتل النفس ممّا يحكم به صريح العقل من غير استخدام مقدمة تحتاج إلى فكر ، فالمخالفة لها خروج عن طور العقل ومادته الإنسانية ، فلذلك ذيّل الحكم بقوله :
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
. والذي تشتمل عليه الآية الثانية من الأحكام وهي حرمة التصرّف في مال إليتيم وما تتلوها ليست بتلك المثابة من الصراحة ، لكنها مع ذلك نتيجة مقدّمات عقلية صحيحة حقّة تظهر للإنسان بالتأمل والتنبّه وهو التذكّر فإطاعتها توجب ارتقاء الإنسان إلى مرتبة التذكّر فذيّلها بقوله :
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
. والآية الثالثة تشتمل على ما لا يكفي فيه صريح العقل ولا مقدّماته النظرية ، بل سلوك لما جعله اللّه من سبيله وصراطه تسليما محضا وتبعيّة خالصة ، ونتيجته التقوى التي هي باب كرامة اللّه ورحمته وكلّ خير يرجى من قبله سبحانه ، فذيلّها بقوله :
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
. وجيء في الجميع بلفظ الوصية وهي الأمر بحفظ ما يهمّ حفظه ويكون نخبة من بين عدة إلى كثرة ، ولمّا كانت المحرمات كثيرة والتي لا مناص عنه في كلّ حين وزمان وفي جميع الشرائع هي هذه [ المحرمات ] المذكورة .