تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
قال بعضهم : إنّ الإدراك عبارة عن الإحاطة ، ومنه :
إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ
« 1 » ، أي أحاط به ،
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ
« 2 » أي محاط بنا ، فالمنفي إذا عن الأبصار إحاطتها به عزّ وعلا لا مجرد الرؤية ، ثم قال : إنّ تخصيص الإحاطة بالنفي يشعر بطريق المفهوم بثبوت ما هو أدنى من ذلك ، وأقلّه مجرّد الرؤية ، كما أنّا نقول لا تحيط به الافهام ، وإن كانت المعرفة بمجردها حاصلة لكلّ مؤمن ؛ فالإحاطة للعقل منفية كنفي الإحاطة للحسّ ، وما دون الإحاطة من المعرفة للعقل والرؤية للحسّ ثابت غير منفي « 3 » ، إنتهى . أقول : وما ذكره أن معنى الإدراك هو الإحاطة خلاف ما يظهر من اللغة ، فأصل الإدراك اللحوق ، يقال : أدركت فلانا ، أي لحقت به ، وأدرك زمانا كذا أي لحقه وبلغه ، ثم أستعمل في تعلّق القوة الحاسّة بمتعلقه كأنّها تلحقه استعارة ، ثمّ صار حقيقة بالغلبة . ولو سلّم ذلك فحيث كان الإدراك هو الإحاطة ، والإدراك بالبصر هو الإبصار والرؤية فلا معنى لبقاء الرؤية مع انتفاء الإدراك ، ومن هنا يظهر ان لا معنى للمفهوم الذي تخيله ، فإن انتفاء الإحاطة مساوق لانتفاء الرؤية . ولو سلّم فإنّما يصحّ ذلك في المركبات دون البسائط ، إذ فرض الإحاطة بالشيء علما ، والعلم بما هو دون الإحاطة فرض الكلّ والبعض في ذاته ، كما هو ظاهر . فإن قلت : فالعقل لا يحيط به تعالى وله علم مّا به تعالى ولا يلزم التركيب . قلت : لزوم التركيب ضروري ، والعقل كالحسّ والوهم لا يناله سبحانه
هامش
( 1 ) . يونس ( 10 ) : 90 . ( 2 ) . الشعراء ( 26 ) : 61 . ( 3 ) . التبيان 4 : 224 و 225 .