تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
وإن لم تصغ إلى حديثي فقد سمعه آخرون ، يعني لقد كفيت المؤونة أو لقد استوفيت الحظ وبلغت الغرض ، فهذا غير جائز فيه تعالى لبراءة ساحته عن كل حاجة وعدم مغلوبيته فيما يريد ، بل تسلية منه تعالى لرسوله ، إنّه إن يكفر بها هؤلاء الكفّار من أهل مكة وغيرهم
فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ
، وعلى هذا يجب أن يكون في كلّ عصر من هو موكلّ عليها مؤمن بها غير كافر ألبتّة ، ولازمه أن الأرض لا تخلو من معصوم . ومن هنا يظهر أن لا معنى لقول من يقول : إنّ المراد بهم أصحاب النبي وكلّ من آمن به ، وفيه : أنّ فيهم منافقون وأصحاب الردّة ، وكذا ما قيل : إنّهم كلّ مؤمن من بني آدم ، وكذا ما قيل : إنّهم الأنصار ، وكذا ما قيل : إنّهم الفرس على أنّ كلامه في الإيمان غير المختلط بالشرك ، وقد قال تعالى :
وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
« 1 » ، وكذا ما قيل : إن المراد بهم الملائكة وكذا ما قيل : إنّهم الأنبياء المذكورون في الآيات السابقة ، وليت شعري أيّ معنى لتسلية رسول اللّه : فإن كفر بها قومك وكذّبوا دعوتك فالملائكة يؤمنون بها أو الأنبياء الماضون قد آمنوا بها ، فيتسلّى بذلك رسول اللّه ويذهب الحزن عن قلبه ، وما وجه التعبير بقوله : هؤلاء وترك لفظ القوم ، كما في أمثال هذه الموارد ؟ فإن قلت : يدل على أنّهم هم الأنبياء وصل قوله :
فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ
بما قبله : وقوله تعالى بعده :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
كما في الآية . قلت : لا دلالة فيه على ذلك ، أمّا الآية الأولي : فدلالتها مبنية على أن يكون المراد بالتوكيل الحمل ، وليس كذلك البتّة ، بل هو التحفّظ ، كما سيجيء ، وأمّا الثانية : فإنّما تتمّ دلالتها لو كان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه - وآله مأمورا
هامش
( 1 ) . يوسف ( 12 ) : 106 .
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن — صفحة 104 | السيد محمدحسين الطباطبائي / أصغر إرادتي