تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
وبناء هذه الشخصية على أسس من الواقع والصلاحية للحياة عن طريق خبراتهم ، وتجاربهم ، ودعوات الحياة ، وعلى هدى ما رسمه منهج القرآن الكريم ، وما وصفه لنا من خلال الأمثال القرآنية التي تكلمت عن هذه الشخصية المسلمة ، والنفس المسلمة التي صاغها القرآن الكريم في أوامره وتكاليفه ، وطبقها محمد وصحبه الكرام في معالجة أوضار الحياة . ونحن إذ نعرض لهذه الاتجاهات من خلال الأمثال العربية التي نسوقها في ثوبها الذي وردت به ، نلمس جانبا من تيارات ثقافتنا العربية له في تكويننا العقلي مكانة لا تقل شأنا وأثرا عن مكانة الشعر ، وبقية ألوان النثر ، ولا أغالى إذ قلت : إن هذا الأثر سيظل قوى المفعول ، محفورا مع الزمن في العقل والوجدان ؛ لأنه مأخوذ من الحياة ، ومستمد من الأحداث ، ومرتبط بالوقائع والواقع ، فقد تلفظت به شفاه ، وطبقه أشخاص ، ورسمته في دنيا الواقع أحداث كانت من الحياة وإلى الحياة تعود ، وخاطبت العقلاء من القوم ، صغيرهم وكبيرهم . قامت الأمثال على مخاطبة الإنسان ، والنظر إليه ، وسبر أغواره ، والإحاطة بشأنه ، وتصوير أحواله النفسية ، والوجدانية ، والاجتماعية ، والعقلية ، وكل ما يتعلق به في حياته الخاصة والعامة ، خاطبت الإنسان الذي حظى بالتكريم من خالقه ، ففضله على بقية مخلوقاته بتلك القيم التي يتمثلها في حياته ، ويطبقها في معاملاته . خلق اللّه الإنسان حرا ، له إرادته الخاصة ، واختياره في الحياة ، فهما ، وسلوكا ، وعملا ، وعقيدة ، دون أن يقع تحت تأثير معتقدات بالية تأتيه من كبير أو صغير ، أو معبودات باطلة تسيء إلى آدميته ، وفطرته ، فطرة متحررة تعطيه هذا المدد من الحرية والاختيار فيما يملك من أدوات ، واستخدام حواس خلقها اللّه له ، وهيأها لخدمته ، وقد لا تكون هذه الأدوات كافية للهداية والتوجيه في الحياة ، وقد يكون العقل قاصرا ، فلا يبلغ بصاحبه إلى برّ الأمان الفكري والعقدي ، لذلك اقتضت الحكمة الإلهية أن يعالج هذا القصور البادى في الإنسان بإرسال الرسل الداعية إلى الخير ، وعدم الاغترار بالعقل ، والاستفادة من تجارب الآخرين في الإلمام بشؤون الحياة ، وعدم الاستبداد بالرأي ، والأخذ بنصح الناصح ما دام خالصا ، هذا هو الإنسان السوىّ الذي يهدف إلى إبرازه وتكوينه المثل العربي في تعبيره ورأيه . يتصدر المثل العربي قائمة هذه النظرة بقوله :
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 276 | الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي