تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
صعوباتها بمخلب وناب ، وتتغلب على أزماتها بحجم ومنقار ، فإذا تشابه في تلك الحواس الظاهرة التي تتمتع بها كل المخلوقات من حواس السمع ، والبصر ، والشم ، والذوق ، والجسم ، فإن طريقة استخدام هذه الحواس ، وحسن استغلالها في تحقيق أهدافها ، مما يميز الإنسان عن غيره . فالعين تبصر وتؤدى وظيفتها في رؤية الأشياء بالنسبة لكليهما ، ولكن أن تكون طريقا إلى الهداية والاستدلال وتنمية العقل ، فهذا مما كرم اللّه به الإنسان ، وجعله محلا للتكليف ، وكذلك الأذن تؤدى عملها في السمع ، وقد تكون الحيوانات أقوى سمعا ، ولكن أن تكون طريقا إلى العلم ، والمعرفة ، فهذا مجال آخر جعله اللّه سبحانه من خصائص الإنسان ، وقد يختلف فيه إنسان عن آخر مما يدل على قدرة اللّه . وهكذا في بقية الحواس والوظائف المتشابهة ، أسلحة وأدوات ، ولكنها في جانب الإنسان لها وظائف أخرى تعلو فوق الحاجة المادية إلى الجوانب الروحية والعقلية التي بها يتسامى على غيره ، وتجعله مناطا للتكليف وعمارة الكون ، لذلك فالتشابه الظاهري ليس هو المقياس الحقيقي للتمييز ، وإنما فيما يكمن وراءه من انطباعات ، وآثار ، وهدايات . يقول اللّه سبحانه وتعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ
[ الأنعام : 38 ] . نعم أمم لها خصائصها ، وذواتها المستقلة التي تكتب التمييز لفريق على فريق في مظاهر عديدة من حيث الشكل ، والتكوين ، والقوة ، والخصائص ، ومنها الإنسان الذي يدب على الأرض ، خلقه اللّه في أحسن تقويم من الخلق والخلق ، والتكوين النفسي والعقلي ، ليتحمل مسؤولية الحياة الحقيقية ، وحمله أعباء الأمانة التي عرضها
عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
[ الأحزاب : 72 ] . ظلم الإنسان نفسه ، فقد حرمها من أداء مهمتها فيما خلقت من أجله ، وما هيئت له من تحقيق الكرامة لها ، والفوز بالسعادة الروحية ، وسلامة الاعتقاد ، وذلك بأعماله وسلوكه في الحياة ، ذلك السلوك والعمل الذي جانب الصواب ، وكذلك ظلم غيره من الذين تحملوا أداء الرسالات والدعوات الصالحة من أنبياء ورسل ، فلم يستجب لهم ،
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن — صفحة 234 | الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي