في قبال تعهد الحكومة الإسلاميّة على حفظ أموالهم وأنفسهم ونواميسهم ، وطبقاً لما ورد في بعض الرّوايات فإنّ مقدار الجزيّة كان ديناراً واحداً في السنة ! !
حتى أنّ بعض أهل الكتاب الذين كانوا يعجزون عن دفعه كانوا يعفون من الجزية ( وقد أشرنا سابقاً إلى أنّ البعض يرى أنّ جملة « عن يدٍ » إشارة إلى ذلك ) .
إختيار الأسلوب الأفضل في النقاش :
والآية الثّالثة تتناول كيفية مجادلة المسلمين لأهل الكتاب ، فهي توصيهم بانتخاب أفضل أسلوب للنّقاش والبحث وتقول : « وَلَا تُجَادِلُوا اهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ احْسَنُ » .
وهذا مفهوم عام وجامع وأساسي .
و « الجدال » : في اللغة هو إبرام الحبل وإحكامه ، فإذا تباحث اثنان في أمرٍ وأراد كلٌ منهما حرف صاحبه عن رأيه يقال « جادله » والمراد منه هنا النّقاش والبحث المنطقي .
أمّا فيما يرتبط بالمراد من جملة « بِالَّتِى هِىَ احْسَنُ » ، فإن بعض المفسرين قالوا إنّ المراد منها هو التعامل معهم بلين ولطف ومحبة ، ففي قبال الخشونة اللين ، وفي قبال الغضب ، الصّبر ، وفي قبال الشرّ ، حب الخير ، وفي قبال التسرُّع ، التأني .
وعلى أيّة حال ، فإنّ تعبير بجملة ( بالتي هي أحسن ) جامع جدّاً يشمل كلّ الأساليب الصّحيحة والمناسبة للبحث والنّقاش ، سواءً كان ذلك بالألفاظ أو في محتوى الكلام ، أو في لحن القول أو في الحركات والسلوك العملي ، وعليه يكون مفهوم الجملة هو أنّ الحديث معهم لابدّ أنْ يكون مؤدباً ، وأنْ لحن القول لابدّ أنْ يكون حبيباً وأنْ محتوى الكلام لابدّ أن يكون منطقيّاً وبرهانيّاً ، فينبغي أنْ يكون الصّوت خالياً عن العربدة والغوغاء والضجيج ، وأن تكون حركات اليد والعين والحاجبين المكملّة للبيان على هذا المنوال .
وكلّ ذلك من أجل أنّ الهدف من النّقاش والمجادلة ليس حب السّيطرة والإستعلاء ، وإنّما هو إقناع الطرّف المقابل ونفوذ الحقّ إلى أعماق روحه ، وأنْ يتخذ الموقف الصّحيح في