تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
قبال الإسلام ، فهؤلاء المعاهدون لابدّ أنْ يعرفوا أنّ روح الإسلام روح السّلام والصّفاء ، والآية توصي المسلمين بأن يتعاملوا مع غير المسلمين معاملة سلمية . وبطبيعة الحال ، فإنّ هذه الأمور يجب أنْ لا تكون بنحو يتصور المقابل أنّ المسلمين ضعفاء عاجزين فيسيء استغلال عطفهم ولينهم . ثُمّ تستثني الآية مجموعة من هؤلاء وتقول : « إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ » وهي إشارة إلى الذين رفضوا العيش بسلام إلى جنب المسلمين ، وأساءوا استغلال محبّة المسلمين لهم ومداراتهم ولينهم ، حيث عادوا الحق وعاندوه مع أنّهم كانوا قد قرأوا علامات نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله في كتبهم ، وكانوا يحاولون إخفائها وكتمانها ، وكانت ميولهم ميول عدوانية وغير مسالمة ، بعيده عن الاحترام والمحبّة ، فمثل هؤلاء لا شكّ في ضرورة استثنائهم من تلك الأحكام الرّؤوفة . وجاء في تتمّة الآية عدّة جمل لطيفة أخرى في هذا المجال حيثُ يقول تعالى : « وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِى انْزِلَ إلَيْنَا وَانْزِلَ إِلَيْكُمْ وإلهُنَا وَإلهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ » . وهذا في الحقيقة نموذج واضح ورائع للمجادلة بالّتي هي أحسن ، أي أنّ القرآن الكريم لم يكتفِ بذكر الكليّات في هذا المجال ، بل عرض مصاديق واضحة في الأثناء . وهذه العبارة تدل بوضوح على ضرورة الاعتماد على النّقاط المشتركة لتحكيم أسس العيش السّليم المشترك ، وهي الإيمان باللَّه الواحد والإيمان بكل الكتب السّماوية وأمثال ذلك . ولكنّ التّأكيد والإصرار على الجهات المشتركة لا يعني قبول المسلمين لبدع هؤلاء وانحرافاتهم وتراجعهم عن معقتداتهم ، وقد تكون جملة « وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ » ، إشارة لطيفة لهذا المعنى . ونقرأ في حديث مفصل عن الإمام الصّادق عليه السلام الذي يرشدنا فيه إلى نموذج « للمجادلة بالتي هي أحسن » ويأمرنا بالتّأمل في آخر سورة « ليس » ، وملاحظة كيفيّة مجادلة منكري المعاد بطرق مختلفة وبمنطق لطيف وبرهاني قوي في نفس الوقت « 1 » .
هامش
( 1 ) اقتباس من تفسير نور الثّقلين ، ج 4 ، ص 163 ، ذيل الآية مورد البحث .