تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
المشركين وعبدة الأوثان ، فهي تقسِّمُهُمْ إلى مجموعتين : مجموعة قاتلت المؤمنين وآذتهم ولم تتردد عن كل مخالفة وممارسة عدائية ضدهم ، ومجموعة ثانية كانت مستعدة للعيش معهم بسلام . ففي هذه الآيات نجد منع إنشاء العلاقة والتّعامل مع المجموعة الأولى وقد أجازت ذلك منع المجموعة الثّانية ، وعدّت الّذين يرتبطون بالمجموعة الأولى من الظّالمين ، أمّا المتعاملين مع المجموعة الثّانية فاعتبرتهم الآية الشريفة من أنصار العدالة . وإذا كان الحكم الإلهي في مورد المشركين وعبدة الأوثان على هذا النّحو ، فهو بالنسبة للكفار من أهل الكتاب من باب أولى . واعتبر بعض المفسرين أنّ الأمر الوارد في هذه الآية قد نُسِخ ، وأنّ ناسخة هو قوله تعالى : « فَإِذَا انسَلَخَ الأَشهُرُ الحُرُمُ فَاقتُلُوا المشُرِكِينَ حَيثُ وَجَدتُّمُوهُمْ » . ( التوبة / 5 ) ولكن وبقرينة أنّ هذه الآية بشهادة سائر آيات سورة التّوبة ، نازلة في شأن المشركين الذين ينقضون العهد ، والّذين أعلنوا العداء للمسلمين ، يتضح لنا تماماً أنّ الآية لم تُنْسَخْ ، بل إنّ آيات سورة التّوبة مرتبطة بالمجموعة الأولى . وروى بعض المفسرين في تفسير هذه الآية أنّ زوجة أبي بكر المطلّقة قد جاءت لإبنتها « أسماء » ببعض الهدايا من مكة ، ولما كانت لا تزال مشركة ، امتنعتْ أسماء من قبول تلك الهدايا منها ، حتى أنّها لم تسمح لأمِّها بالدّخول عليها ، فنزلت الآية المذكورة ، وأمرها الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله أنْ تستقبل امَّها وتقبل هديتها وأنْ تحترمها « 1 » . وعلى أيّة حال ، يستفاد من هذه الآيات ، أصلٌ عام كلّي في كيفية تعامل المسلمين مع غير المسلمين ، بلا تحديد ذلك بزمانٍ أو مكانٍ خاص ، وهذا الأصل هو أنّ المسلمين مكلّفين بسلوك طريق السّلم مع كلّ فرد أو مجموعة أو مجتمع أو دولة لا تتخذ موقفاً معادياً تجاههم ، أو تحارب الإسلام والمسلمين وتنصر أعداءهم ، سواءً كان هؤلاء مشركين أو كانوا من أهل الكتاب .
هامش
( 1 ) تفسير روح البيان ، ج 9 ، ص 481 ، كما نقلت هذه الرواية في كثير من كتب التفسير ، وفي صحيح البخاري بتفاوت .