تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
فصفوف صلاة الجماعة ، ومضافاً إلى روحانيتها الخاصة الحاكمة عليها واقترانها بنور المعنوية والصّفاء ، خير وسيلة لاطلاع عامة النّاس على المسائل المصيريّة للمجتمع الإسلامي . لقد استطاع المسلمون الأوائل ومن خلال صلاة الجماعة - وهو لقاء يوفرلهم اللقاء صباحاً ونهاراً ومساءً - كسب الوعي الكافي ووحدة الصف والكلمة مقابل أعدائهم ذوى العدة والعدد ، حيث استطاعوا أن ينشروا برنامج الحكم الإسلامي وتعاليم الدين بسرعة فائقة . ففي صلاة الجمعة والجماعة ، وطبقاً للتعاليم الإسلامية ، فإنّ الإمام وحده هو الذي يقرأ الحمد والسورة نيابة عن الجميع ، وبهذه الطريقة يبعت الانضباط الاجتماعي في نفوس الناس التي تعتاد على الإدارة المقرونة بالروح والمعنى اللذين توفِّرهما مضامين السورتين اللتين يقرأهما إمام الجماعة . والنّكتة المهمّة هنا هي أنّ للإمام الحق أنْ ينتخب سوراً مختلفة وآيات متنوعة من القرآن لقراءتها بعد سورة الحمد بحسب المناسبات المختلفة ، وكلّ واحدة من هذه السور يمكنها أنْ تشتمل على دروس في المعرفة الإسلاميّة ، والأخلاق ، والتّربية السّياسية والاجتماعيّة ، فعندما يقرأها الإمام بشكل جذّاب والكلّ قائم يصغي لها بسكون عميق ، يكون لها أثرٌ تعليمي قوي منقطع النّظير في نفوس المأمومين ، يضطرهم إلى التّفكر والتّعمق في محتوى الآيات ، ويضاعف روحانيّة العبادة وتأثيرها ، ولو أنّ هذه المراسم العبادية تؤدّى بآدابها الإسلاميّة المقررة وحضور القلب وتمركز الحواس وهي الشرط الأساسي لقبولها ، لكانت مدرسة عظيمة لتربية المجتمع الإسلامي ، وفضلًا عن ذلك فإنّ هذه المراسم تكون درساً تربوياً لأعداء الإسلام والأجانب ، وغالباً ما يلاحظ أنّ هؤلاء يقفون متأملين متفكرين في هذه العبادة عندما يشاهدون المسلمين في صفوف منظمة ومرصوصة يُقيمون الصلاة . ومن هنا ورد عن الإمام علي بن موسى الرّضا عليه السلام أنّه قال : « إنَّما جُعلتْ الجَمَاعَةُ لِئَلا يَكُونَ الإِخلاصُ وَالتُّوحِيدُ وَالإسْلامُ وَالْعِبادَةُ للَّه‌إِلّا ظاهِراً مَكْشوفاً مَشْهُوراً ، لأنَّ فِي إظْهارِهِ حُجَّةً عَلى أَهلِ الشَّرقِ وَالْغَرْبِ . . . مَعَ مافيهِ مِنَ المُساعَدَةِ
نفحات القرآن — صفحة 243 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي