الوسيع ، بل الحكم باقٍ على عموميته .
وهذا في الواقع أصلٌ أساسي يذعن بصحته كل عقلاء العالم ، وهو أن غير أهل العلم يتعلمون من أهل العلم ، إذ إنّ العلوم والمعارف الحقيقية محصول التفكر والتأمل والتجارب التي اكتسبها القدماء ، والّتي يضعونها تحت تصرف الأجيال القادمة ، وهؤلاء يضيفون عليها ويسلمونها للأجيال اللاحقة ، وهكذا يتكامل العلم والمعرفة البشرية يوماً بعد يوم ، ولهذا الدّليل تعتبر مسألة التّربية والتّعليم الأساس الأول لكل تطور ورقّي اجتماعي في البعد المعنوي والمادي .
ونُقِلَت عبارة عن الغزّالي توضح هذا المطلب أكثر ، وهي أنّه سئل عن كيفية حصوله على هذه الإحاطة العلميّة بأصول وفروع الإسلام ، فأجاب بتلاوة هذه الآية : « فَاسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُم لَاتَعْلَمُونَ » « 1 » .
وقد فَسَرَّت الروايات العديدة الواردة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام ، أهل الذكر ، بمعنى الأئمّة المعصومين عليهم السلام « 2 » ولكن وكما تعلم أنّ هذه التفاسير ليست بمعنى الحصر ، بل فيبيان المصداق الأتمِّ والأكمل لها ، وشبيه هذا المعنى نلاحظه في تفسير كثير من آيات القرآن .
والآية الخامسة تقسم المسلمين إلى مجموعتين : « المعلمين والمتعلمين » وفي الواقع لابدّ أن يكون المسلم فرداً من أفراد إحدى المجموعتين ، فإمّا أنْ يكون معلماً أو متعلماً حيث يقول عزّوجلّ :
« وَمَا كَانَ الْمُؤمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِى الدِّينِ وَليُنْذِروُا قَوْمَهُمْ اذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ » .
وقد استند كثير من العلماء على طول التّاريخ إلى هذه الآية الشّريفة لإثبات لزوم تعلم
هامش
( 1 ) تفسير روح البيان ، ج 5 ، ص 37 .
( 2 ) للاطلاع على هذه الروايات يراجع من تفسير البرهان ج 2 ص 369 ، والملاحظ أنّ هذا التعبير ورد في رواياتأهل السنّة أيضاً ( راجع شواهد التّنزيل للحسكاني ج 1 ، ص 344 ، وإحقاق الحق ، ج 3 ، ص 482 .