والمستفاد من الآية الثالثة هو أنّ هذا الهدف الكبير أي التّربية والتعليم والحكمة ، ورد في دعاء إبراهيم الخليل عليه السلام لهذه الأمة ، حتى إنّه يطلب ذلك من اللَّه عزّوجلّ ويقول :
« رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزٌ الْحَكِيمُ » .
وهذا يدل على أنّ هذين الهدفين ( الترّبية والتعليم ) كانا من الأهداف المعروفة في الأمم السّابقة أيضاً .
والملفت للنظر هو أنّه ورد في هذه الآية وبعض الآيات الأخرى الواردة في هذا المضمار ، الحديث عن تعليم الكتاب وتزكية النّفس إضافة إلى تعليم الحكمة ، وفيما يرتبط بمعنى « الحكمة » وردت تفسيرات كثيرة ومختلفة .
الأول : إنّ المراد منها هو العلوم الدّينيّة والتّعرف على أحكام الدّين .
والثّاني : إنّ المراد منها هو سنّة النّبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله ، لإنّها ذُكرت إلى جنب كتاب اللَّه . وقال البعض الآخر إنّ المراد من الحكمة هو العلامات والفوارق التي تميز الحق من الباطل ، وقيل أيضاً إنّ الحكمة بمعنى الآيات المتشابهة التي لابدّ أنْ يُعلِّمها الرّسول بنفسه للآخرين « 1 » .
لكن وبالتأمل في أصل لفظ « الحكمة » في اللغة ، والتي جاءت بمعنى المنع من الجهل والخطأ ، ووضع كلّ شيء في موضعه ، يبدو أنّ المراد من الحكمة هنا الاطلاع على أسرار وعلل ونتائج الأحكام ، وأسرار خلقة الكون والإنسان ، ومصيره ونهايته .
وفي الآية الرّابعة إشارة إلى قاعدة كلية هي أساس مسألة التّربية والتعليم ، حيث يقول عزّوجلّ : « فَاسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُم لَاتَعْلَمُونَ » .
وهذه الآية وإنْ وردت في صفات الأنبياء السابقين عليهم السلام وإنّهم كانوا من جنس البشر ، وأنّه لا فرق بينهم وبين سائر البشر في الظّاهر ، ولكننا نعلم أنّ مورد الآية لا يحدّد مفهومها
هامش
( 1 ) التّفسير الكبير ، ج 4 ، ص 66 ( ذيل الآية مورد البحث ) .