تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
التي إذا لم تطفأ فإنّها ستسري وتحرق كل ما في طريقها وتحيله إلى رمادٍ ، فمحاربة الفساد حقٌ اجتماعي . وأفضل تعبير عن هذا المطلب هو ما ورد في الحديث النبوي حيث يقول : « إنّ مثل الفاسق في القوم كمثل قوم ركبوا سفينة في البحر فاقتسموها فصار لكل واحد منهم [ مكان ] فعمد أحدهم إلى مكانه لخرقه تعالى فقالوا أتريد أن تهلكنا فقال وما أنتم من مكاني فإن تركوه غرقوا وغرق معهم وإن أخذوا على يديه نجوا ونجا فذلك مثل‌الفاسق » « 1 » . ومن هنا يتضح لنا ، أنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، ليسا تدخلًا في حياة الآخرين الخاصّة ، فلا شك في أنّ الإسلام يعتبر التدّخل في حياة الآخرين والتجسس عليهم حراماً ، والقرآن الكريم تحدث عن هذه الحقيقة في ( سورة الحجرات ) ، ولكن حدود الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر هي الإضطرابات والمفاسد الاجتماعيّة الفاضحة ، والتي لها مدخلية مباشرة في تحديد مصير المجتمع ، وأنّ مصير المجتمع معقود عليها ، والتّخلف والانحراف في كلّ فردٍ من أفراد المجتمع له أثر بالغ على المجتمع ككلّ . وبناءً على هذا ، فإنّه لا يحق لأحد أن يعترض على أولئك الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في مثل هذه الموارد ويقول لهم : إنّ هذا الأمر لا يهمكم فلا تتدخلوا فيه ، فإن جواب هذا الشخص ، هو أنّ هذا الأمر يخصّنا جميعاً ، فإنّ مصيرنا مرتبط بنا جميعاً ، فهل يحق لأحد أن يعترض على الدولة إذا ما عينت مأمورين للتلقيح ضد الأمراض المسرية إذا ما سرت تلك الأمراض في المجتمع ويقول لمسؤولي الدولة : إنّ هذا الأمر لا يعنيكم ؟ فأنا الذي أتمرّض وأنا الذي أعرّض نفسي للخطر فلماذا تتدخلون في حياتي الشخصية ؟ ! فلا شك في أنّ الجميع سيجيبون ذلك الشّخص بأنّ سلامتك ليست منفصلة عن سلامة المجتمع ، ومرضك سيسري إلى أفراد المجتمع الآخرين ، ولذا فإن الأمر يهمّ الجميع . وعليه فلابدّ من الإذعان بأنّ هاتين الوظيفتين ( الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ) تعتبران من أثار الحياة الاجتماعيّة للإنسان ومن الحقوق والواجبات الاجتماعية . كان هذا ملخصاً لبحث الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، وأثرهما في تحقيق أهداف الحكومة الإسلاميّة .
هامش
( 1 ) راجع تفسير روح الجنان ، ج 3 ، ص 142 ؛ المعجم الأوسط ، ج 3 ، ص 149 .
نفحات القرآن — صفحة 215 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي