فالآية المذكورة أعلاه تجيب هؤلاء وتقول : « لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ اهْلِ الْكِتابِ امَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ باللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوف ويَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِى الْخَيْراتِ وَاولَئِكَ مِنَ الصَّالِحيِنَ » .
فالآية تلخص خصائص الصّالحين من أهل الكتاب الذين اعتنقوا الإسلام في ثلاثة أمور : الإيمان بالمبدأ والمعاد ، ثُمّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، وفي النّهاية المسارعة في الخيرات . وهذا يدل على أنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر يعدُّ من أبرز مظاهر الصّالحين بعد الإيمان باللَّه ويوم القيامة ، وأنّه أصل كل الخير .
وفي الآية الرّابعة ، يعتبر الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أول خصوصيّة من خصائص المؤمنين ، حتّى أنّ إقامة الصلاة وأداء الزّكاة وإطاعة اللَّه والنّبيّ صلى الله عليه وآله جاءت بعدها ، وهذا يدل على أنّ هاتين الوظيفتين العظيمتين إذا لم تطبقاً ، فإنّ أساس العبادة والطّاعة وعبوديّة اللَّه تتعرض للخطر .
يقول اللَّه تعالى : « وَالْمُؤمِنُونَ والْمُؤمِنَاتُ بَعْضُهُمْ اوْلَياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ اولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ انَّ اللَّهَ عَزيزٌ حَكِيمٌ » .
وقد احْتُمِلَت عدّة أمور في تفسير جملة « بَعْضُهُمْ اوْلِياءُ بَعْضٍ » ، من جملتها أنّ هؤلاء منسجمون في الإيمان باللَّه ومباني الإسلام - والآخر هو أنّ أحدهم ينصر الآخر في أمور الدين والدنيا ، والثّالث هو أنّ هؤلاء بالتّعليم والتّربية يخرجون الآخرين صوب درجات الكمال العالية .
ومن الواضح أنّ هذه التفسيرات الثّلاثة لا منافاة فيما بينها ، ويمكن أن تجتمع في مفهوم الآية ، لأنّ الولاية في الآية جاءت مطلقة فتشمل ارتباط المؤمنين ببعضهم في أبعادٍ مختلفة .
نفحات القرآن — صفحة 208
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٠٨