له : « باهل » ، و « الابتهال » في الدعاء تعني التضرع وايكال الأمر إلى اللَّه تعالى .
وتارة فسروا هذه الكلمة بمعنى « الهلاك واللعن والطرد من اللَّه » ، وذلك أيضاً بسبب ترك العبد وايكاله إلى نفسه والخروج عن ظل لطف اللَّه سبحانه .
هذا الرأي هو الأصل اللغوي ، أمّا من ناحية « المفهوم المتداول » الذي أشير إليه في الآية ، فالمباهلة الملاعنة بين شخصين ، من هنا فعندما لاتجدي الاستدلالات المنطقية ، ويجتمع الذين يدور بينهم جدول بشأن مسألة دينية مهمّة ويتضرعون إلى اللَّه سائلين منه أن يفضح الكاذب ويعاقبه ، وهو ما فعله النبي صلى الله عليه وآله في مواجهة نصارى نجران ، حيث أشير إليه في الآية .
ومن خلال ما ذكر نلقي نظرة على تفسير هذه الآية :
« فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعدِ مَاجَاءَكَ مِنَ العِلمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ ابنَاءَنَا وَابنَاءَكُم وَنسَاءَنَا وَنسَاءَكُم وَانْفُسَنا وَانْفُسَكُم ثُمَّ نَبتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الكَذِبِينَ » .
لا شك أنّ هذه الواقعة التاريخية قد حصلت ولم يستطع أحد انكارها ، ومفادها : أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله اختار نفراً واصطحبهم معه للمباهلة .
جاء في الروايات الإسلامية التي نقلها المفسرون والمحدثون : لما نزلت الآية أعلاه اقترح النبي صلى الله عليه وآله على نصارى نجران المباهلة ، فطلب زعماء النصارى من النبي صلى الله عليه وآله مهلة يوم واحد ليتشاوروا في الأمر ، فقال لهم حبرهم :
« انظروا محمّداً في غدٍ فإن غدا بولده وأهله فاحذروا مباهلته ، وإن غدا بأصحابه فباهلوه فإنّه على غير شيء فلما كان الغد جاء النبي صلى الله عليه وآله آخذاً بيد علي والحسن والحسين بين يديه يمشيان وفاطمة تمشي خلفه ، وخرج النصارى يقدمهم أسقفهم ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله قد أقبل بمن معه سأل عنهم فقيل له : هذا ابن عمه وزوج ابنته وأحب الخلق إليه ، وهذان ابنا بنته من علي عليه السلام ، وهذه الجارية بنته فاطمة أعزّ الناس عليه وأقربهم إلى قلبه ، وتقدم رسول اللَّه فجثا على ركبتيه قال الأسقف جثا واللَّه كما جثا الأنبياء للمباهلة ، فرجع ولم
نفحات القرآن — صفحة 182
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٨٢