تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
ان نعود بقرّائنا الأعزاء إلى المجلدات السابقة . وبالرغم من سيطرة فكرة الشرك بالله وعبادة الأصنام على تلك البيئة بحيث لا يجرؤ أحد على النيل من هذه العقيدة بأدنى لوم أو اعتراض ، انبرى القرآن بقاطعية كاملة إلى ضرب تلك العقيدة الخرافية ، فتارة ينقل ذلك على لسان إبراهيم الخليل عليه السلام فيقول : « قَالَ افَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَالَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ * افٍّ لَّكُم وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ افَلَا تَعْقِلُونَ » . ( الأنبياء / 66 - 67 ) وتارة أخرى يقول في صدد قصة عجل السامريّ الذي أصبح مورداً لإغواء عدة من جهال بني إسرائيل واغترارهم به : « افَلَا يَرَوْنَ الَّا يَرْجِعُ الَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّاً وَلَا نَفْعَاً » . ( طه / 89 ) وبجملة مختصرة : إنّ القرآن يندِّد كثيراً بالشرك ويذم عبادة الأصنام بحيث إنّه يعفو ويصفح عن جميع الذنوب ما عدا الشرك ، فيقول : « انَّ اللّهَ لَايَغْفِرُ انْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى اثْمَاً عَظِيَماً » . ( النساء / 48 ) إنّ هذا التنديد القاطع والحاسم بفكرة عبادة الأصنام يعدّ بحق أمراً فريداً من نوعه ؛ لأنّ هذه الفكرة تعتبر سُنّة معروفة للأجداد ، والثقافة الرائجة في جميع أنحاء تلك البيئة بحيث إنّ العدول عنها يُعد من عجائب الأمور ومورداً لكل أنواع الذم والتقريع ، أمّا نحن ففي الوقت الحاضر نلقي نظرة عفوية على هذه الآيات ونعتبرها أمراً عادياً بغض النظر عن أنّ تلك البيئة كانت تعيش ضمن ظروف وأوضاع خاصة تختلف عن أوضاعنا ، هذا من جانب ومن جانب آخر عندما يشرع في بحث التوحيد ، يعمد إلى طرح الدلائل الفطرية والمنطقية و ( برهان النظام ) و ( برهان الصديقين ) بشكل لا يتصور الإنسان ما هو أروع منه . ويشير في بحث التوحيد الفطري إلى المسألة التي كانت تحدث في حياة كل أولئك الناس وبأشكال مختلفة فيقول : « فَاذَا رَكِبُوا فِى الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الّدِينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ الَى البَرِّ اذَا هُمْ يُشْرِكُونَ » . ( العنكبوت / 65 ) وبهذه الطريقة يبيّن استقرار نور التوحيد في أعماق وجودهم ووجدانهم ، ويزيح النقاب